ما هي الحرية؟

منبر الحرية 

الحرية تعني أن يستطيع الإنسان اختيار ما يود عمله دون تدخل من الآخرين. يجب أن يتمكن المرء بأن يقرر كيف يريد أن يعيش حياته، إلا إذا كان عمله يتدخل بحرية الآخرين.

القيمة المعنوية للحرية أصبحت اليوم عمادا رئيسيا من أعمدة العالم الحديث، ولكنها لم تكن دائما كذلك، فعلى امتداد معظم تاريخ البشرية، كان التفكير هو أن هدف الحكومة هو تنمية الفضائل، والحياة الجيدة، والمجتمع الجيد. كان المتوقع من الناس أن يعملوا من أجل الخير العام، كما يقرره المجتمع، وأن يخضعوا مصالحهم الذاتية ورغباتهم إلى خير أعلى. في الأصل، كانت الحرية تمثل حقوقا خاصة، أو امتيازات تعطى لجماعات خاصة أو أفراد، مثل البارون أو نقابات التجار والصناع. لم يكن هنالك حق عام للحرية. فكرة أن الحرية كوضع عام يشمل جميع الناس لم تتطور سوى في القرن الثامن عشر، وارتبط تطورها باسمي المفكرين البريطانيين هوبز ولوك، وقد كتب لوك يقول: “إن هدف القانون ليس الإلغاء والتقييد، وإنما هو الحفاظ على الحرية وتوسيعها.” إذن فالهدف من الحكومة هو حماية حرية الأفراد. وقد أصبح ذلك أحد أهداف القرن التاسع عشر، بزوغ نجم الحرية، كقيمة سياسية رئيسية. وفي القرن العشرين تعرضت هذه النظرية للتهديد من مصدرين اثنين: أولئك الذين جادلوا بأن الحرية هي قيمة ثانوية يجب إخضاعها لتحقيق هدف أسمى، مثل الشيوعية، أو دولة تؤمن بعنصرية النقاء، وكذلك من أولئك مثل الاشتراكيين الذين سعوا إلى تغيير فكرة الحرية لتبرير تدخل أوسع في حياة الناس من قبل الحكومة.

الحق في أن يعيش الإنسان حياته بذاته

كثيرا ما يعبّر عن الحرية بلغة الحقوق. لي الحق بأن أقرر أين أعيش، أو أين أعمل، أو مع من أعيش حياتي. لا يجوز لأحد أن يرغمني أو يوقفني عن عمل ما أريده، شريطة أن أحترم حقوق الآخرين. هذه النظرية مستقاة من لوك في حديثه عن الحقوق الطبيعية. الحرية تعني العمل ضمن حقوق الإنسان الذاتية، بينما نقيض الحرية هو التعرض لحقوق الآخرين، إذ يشكل ذلك انتهاكا للحرية وإساءة لها.

الحرية مرتبطة بفكرة الحكومة المحدودة والأسواق الحرة. إن دور الحكومة هو إتاحة الأنظمة أو الإطار الذي يمكن كل شخص بأن يكون حرا، وأن يحميهم من أي تعرض لحرياتهم من قبل الآخرين. السوق الحرة ترتبط بالحرية الاقتصادية أو حرية الاختيار: حرية المستهلك في الشراء، حرية المتاجر في تحديد ثمن بضائعه وخدماته، (وحق المستهلك في أن يقبل ذلك أو يرفض الشراء)، حرية العامل في أن يختار وظيفته أو مهنته، وحرية صاحب الإنتاج بأن ينتج ما يريد وأن يعين من يشاء. مثل هذه الحرية لا يمكن أن تتواجد إلا في مجتمع رأسمالي.

الفرد هو أفضل من يقرر مصالحه الذاتية

الإنسان وحده فقط هو من يملك معرفة ما هي حاجاته الخاصة، ورغباته، وأهدافه في الحياة، وبالتالي مصالحه. إن ذلك يعني أن الإنسان يملك حرية الإرادة، وأن خياراته لا تقرر فقط بظروفه وخلفياته الاجتماعية. إنه يستطيع استخدام العقل واستخدام الأخلاقيات لاتخاذ الخيارات الصحيحة لنفسه. الفرد وحده يعرف رغباته وتفضيلاته. الآخرون قد تكون لديهم أفكارهم الخاصة حول ما هو صحيح أو مناسب لشخص آخر، ولكن أحدا منهم لا يمكن أن يعرف ما هو الأفضل مثلما يعرف الشخص نفسه. الحرية تعني رفض الوصاية: أن الآخرين في وضع أفضل لاتخاذ القرارات التي تؤثر على حياة الإنسان نفسه.

الحرية تدعم مصالح الجميع

ليس هنالك تعارض بين الحرية والنظام، أو الخير العام أو المصلحة العامة للآخرين. الحرية تعمل لصالح الجميع على المدى البعيد. النفعيون كانوا من أشد أنصار الحرية لأنها تعظم المصالح. وكما كتب صاحب هذه النظرية جيرمي بنثام “نتيجة المجتمع الحر هي السعادة القصوى لأعظم عدد من الناس.” وقد طور آدم سميث فكرة “اليد الخفية،” أو ما تسمى في بعض الأحيان “الأمر الفوري.” فإذا ترك كل إنسان لوسائله، فإنه “يجد نفسه مقودا بيد خفية لدعم هدف لم يكن أصلا في ذهنه.”

الأفراد إذا تركوا أحرارا لمتابعة مصالحهم سوف يقادون إلى التعاون مع الآخرين لمصالحهم المشتركة، ولمصالح المجتمع ككل، عاملين في سبيل الصالح العام. وبذلك، يلبي المرء رغبات الآخرين من خلال تلبية رغباته الخاصة. وأعلن آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” “ليس صدقة وحسن أخلاق من قبل جزار اللحم أو الخباز أن نتوقع الحصول على عشائنا، بل سبب حرصهما على مصالحهما الذاتية.” كثير من الفوائد التي يجنيها المجتمع ناشئ من نتائج لم يكن مخططا لها مسبقا على يد الآخرين؛ “إنها نتيجة الفعل البشري وليس التخطيط البشري.”

الحرية تؤدي إلى نمو المعرفة

جون ستوارت ميل دعا إلى التسامح، إلى الرغبة في السماح للجميع بالتفكير، والتحدث والتصرف بوسائل قد لا نوافق عليها. الشخص الآخر قد يكون فعلا على حق، أو ربما نستطيع تحسين آرائنا وفهمنا بمحاولة فهم الآخرين، أو نستطيع أن نغير الشخص الآخر، بإقناعه وغيره بالأخطاء التي تنطوي عليها مواقفه. “إنني أمقت ما تقول، ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك في قول ما تريد”: تلك مقولة تعزى إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير. ففي المجتمع الحر آراء وعقائد كثيرة سوف تطرح وتجرب في حلبة تنافس الآراء. الحقيقة سوف تطرد الباطل، وقد وصف الاقتصادي النمساوي هايك إحدى نتائج المجتمع الحر بأنها توسيع المعرفة، المعرفة التي لا يمكن حصرها في موقع أو شخص واحد، ولكنها موزعة توزيعا عريضا في عقول كل فرد من الأفراد. الحرية تسمح بظهور ما هو غير مرئي وغير متوقع. أما التخطيط المركزي وإرغام الأشخاص على التأقلم ضمن هدف نهائي محدد، فيحولان دون بروز آراء جديدة، كما يحولان دون القيام بتجارب جديدة.

الحرية المتعمدة ليست حرية 

بيد أن بعض الناس يستخدمون لفظ الحرية بمعنى مختلف كثيرا، وليس بالمعنى التقليدي القائل: هل منعني أي ما من عمل شيء ما، بل القدرة على التصرف، أو القدرة على تحقيق رغباتي. هذا يحدد فرقا مع نظرية ماركس المسماة “الوعي الكاذب”: أن الناس لم يدركوا ما هي مصلحتهم الحقيقية. الماركسيون فقط والحزب الشيوعي هما وحدهما يفهمان المصلحة الحقيقة، ولذا يجب أن يعطيا السلطة لعمل ذلك! هذا يُبرز مشكلة واحدة مع هذا الطرح: الحكام يسيئون استخدام تلك المقولة بزعمهم أنهم يعرفون ما هي المصلحة الحقيقية للناس، بدلا من سؤال الناس أنفسهم عن ذلك. جان جاك روسو استخدم تعبير الحرية بمعنى إطاعة الإرادة العامة أو المصلحة العامة. لذا، فجميع المنشقين يجب أن “يرغموا على أن يصبحوا أحرارا.”

هذا الفهم العام للحرية هو مجرد هراء. فيلسوف أوكسفورد إزايا بيرلين وصف النظرية الأولى بعبارة “الحرية السلبية،” والثانية بـ”الحرية اليقينية.” وفي رسالة شهيرة تحت عنوان “نظريتان في معنى الحرية” وصف النظرية الأولى بأنها “مساحة يستطيع الإنسان أن يتصرف فيها دون إعاقة.” الحرية إذن هي موطن الأعمال غير المقيدة. وقد وصفها هايك بأنها “غياب الإرغام.” وقد وصف برلين الحرية اليقينية بأن يكون المرء سيد نفسه، وأضاف أن الحرية الثانية ليست حرية على الإطلاق بل “سلطة.” إن حرمان الحرية ينطوي على نية منع إجراء فعل ما.

النظرية المزيفة للحرية هي تعبير آخر عن فقدان السلطة. إذن الفرق هو بين أن لا تستطيع شراء كتاب بسبب أن الدولة قد منعته، وبين أن لا تستطيع الشراء لأن المكتبة لا تحتوي على الكتاب. النظرية الأولى هي الحرمان من الحرية، والثانية ليست كذلك.

الحرية اليقينية تعني كذلك أن الفرد يجب أن يوجه نفسه نحو هدف معين، وهكذا، فإن الفرد، على ما يبدو، موجود، ليس لنفسه، بل لتلبية رغبات وأهداف المجموعات مثل الطبقات، أو الأمم أو الأجناس. نحن موجودون لخدمة هدف أعلى، يختاره غيرنا، بدلا من أهدافنا وغاياتنا. وقد تحدت مارغريت ثاتشر ذلك قائلة “حق الاختيار هو من صميم الأخلاق: فإذا لم يكن هنالك خيار، لا يكون هنالك أخلاق، وإذا غاب الحسن غاب السيء؛ فالحسن والسيء لهما معنى فقط ما دام أن الإنسان حر في الاختيار.”

مبدأ الضرر

القانون في طبيعته يقيد الأفراد في ممارسة حريتهم عن طريق التهديد بإنزال العقوبة إذا ما تصرفوا بطريقة معينة. يتوقع من الناس أن ينسجموا ويطيعوا. ولكن، متى يكون مناسبا استخدام القانون لمنع الحرية؟ جون ستوارت ميل، في كتابه “عن الحرية” قدم صيغة كلاسيكية لذلك: مبدأ الضرر، “الهدف الوحيد الذي يبرر للبشرية… أفرادا وجماعات، التدخل بحرية غيرهم من الناس هو حماية الذات.” إن الغاية الوحيدة التي يمكن أن يبرر بها استخدام القوة بصورة مشروعة، ضد أي إنسان آخر في مجتمع حضاري، وضد إرادته، هي في منع إنزال الضرر بالآخرين. أي أن مصلحته الذاتية، سواء الجسمانية أو المعنوية، لا تشكل مبررا كافيا.

وبكلمات أخرى يجب أن يمنع الناس من التصرف كيفما يشاؤون فقط، عندما تلحق تلك الأفعال ضررا بشخص آخر أو بأشخاص آخرين. بطبيعة الحال، يستطيع الأصدقاء أو العائلة، وحتى الغرباء، إقناع إنسان ما بالتصرف بشكل آخر: أن يعيش في مكان آخر، أو يتزوج شخصا آخر، أو أن يعمل في مكان آخر، ولكنه في هذه الحالة يظل تحت طائلة القانون.

أجندة الحرية

حيث أن الحرية هي الحق في عمل خيارات، حول كل ناحية من نواحي حياتك، شريطة احترامها لحريات متساوية للآخرين، فإن من المستحيل ذكر كل حرية. إلا أن هنالك بعض الحريات التي تستحق اهتماما خاصا.

x       حرية الضمير والفكر والتعبير: يجب توفر التسامح مع آراء مختلفة ومتنوعة. يجب أن يسمح لكل فرد بالتعبير عن رأيه دون عقاب. للناس الحق في انتقاد آراء الآخرين، ولكن ليس منعهم من الإعراب عنها. والحقيقة سوف تظهر من تنافس الآراء والمعتقدات.

x       حرية التعاقد: يجب أن يتمكن المرء من التجارة مع من يختار. يجب توفر حرية الشراء والبيع مع من يختار، وبالسعر الذي تتم الموافقة عليه بين الطرفين. ويعني ذلك أيضا حرية صاحب العمل والعامل في الاتفاق على شروط تعاونهما. ويترتب على الدول دور التأكد من أن تلك الاتفاقات قد تم التوصل إليها طوعا، ولا تنطوي على الإكراه أو التزوير. كما أن من واجبات الدولة التأكد من احترام العقود عن طريق المحاكم التي تتولى فض النزاعات التي تنشب حولها بالطرق السلمية.

x       حرية الاجتماع: يجب أن يتمكن الإنسان من الارتباط والتعاون مع من يشاء ولأي سبب يشاء، إلا إذا كان ذلك يتعارض مع حريات الآخرين. يجب أن تتوفر حرية الزواج أو إقامة علاقات وثيقة مع من تختار، شريطة أن تكون برضى الفريقين. كما يجب أن يتاح للمرء الدخول مع الغير في تجمعات تخدم مصلحة مشتركة، سواء كانت سياسية، من خلال تأليف أحزاب وتكتلات سياسية؛ أو اقتصادية، من خلال مجموعات رجال الأعمال، والنقابات والنوادي الاجتماعية.

الحرية هي أغلى القيم، لأنها الأساس لجميع القيم الأخرى. إنها تكسبها معنى. إنها تسمح لنا بأن نعيش حياتنا الذاتية وفق اختيارنا. ولكنها تتطلب منا الامتناع عن التدخل في حياة الآخرين. كل فرد، كل مجتمع، وبالأخص كل دولة، تجد صعوبة في تحقيق ذلك!

Print Friendly
This entry was posted in مقالات علمانية and tagged . Bookmark the permalink.