الماسونية … ذلك البناء الغامض

د. رياض حسن محرمvرياض محرم

بعد ثورة 25 يناير تصاعدت التساؤلات حول الماسونية، طبيعتها وأهدافها وبنائها التنظيمى والأفكار المؤسسة وقادتها التاريخيين، وانفتحت شهية الجميع بما فيهم الإعلاميين لمعرفة المزيد عن هذا اللفظ الغامض “ماسونية”، وهى بالإنجليزية freemasons أى البناؤون الأحرار ويتشارك أعضاؤها فى مجموعة من الأفكار حول الإيمان بخالق للكون “مهندس أعظم” ومجموعة من الرؤى الأخلاقية المثالية والأنشطة الإجتماعية ذات الطابع الإنسانى، وتستخدم الماسونية شعارا يتكون من مسطرة المعمارى متعامد عليها فرجار هندسى يرمز الى البناء والى علاقة المخلوق بالخالق وذلك بالمقابلة بين زاويتين الأولى الى السماء والثانية الى الأرض.

يقارن البعض بين طقوس الماسونية وتنطيمات سرية أخرى كالاخوان المسلمين فى عدة جوانب، فقسّم الولاء أو البيعة فى النظام الماسونى بعد أن يستوفى المرشح شروط العضوية يركع على قدميه معصوب العينين أمام رئيس ذو حيثية بينما هو يردد ” أيها الإله القادر على كل شيئ، القاهر فوق عباده، أنعم علينا بعنايتك، وتجل على هذه الحضرة، ووفق عبدك – هذا الطالب- الدخول فى عشيرة البنائين الأحرار، والى صرف حياته فى طاعتك ليكون لنا أخا مخلصا حقيقيا..آمين”، بينما يدخل المرشح لعضوية النظام الخاص للإخوان المسلمين الى غرفة مظلمة باردة بحارة الصليبة بحى السيدة زينب ليجلس على الأرض وأمامه طبلية فوقها مصحف ومسدس بينما يضع يده اليمنى عليهما. ويجلس فى مقابلته شخص مجهول يردد ورائه القسم التالى ” أبايعك بعهد الله وميثاقه، على أن أكون جنديا مخلصا فى جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع فى العسر واليسر والمنشط والمكره إلاّ فى معصية الله وعلى إثرة علىّ، وعلى الاّ أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدى ومالى ودمى فى سبيل الله ما استطعت الى ذلك سبيلا، والله على ما أقول وكيل”، ثم يتلو الآية ” فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما”، كما تتشابه مراتب العضوية فى الماسونية بدئا من مرتبة المبتدئ ثم مرتبة أهل الصنعة حتى مرتبة الخبير وهى أعلى مرتبة للأعضاء وعلى قمة الهرم يوجد الحبير الأعطم، وفى تنطيم الإخوان المسلمين فإن درجات العضوية تبدأ من عضو منتسب فعضو عامل ثم درجة نقيب فدرجة مجاهد وغلى قمة التنظيم يوجد المرشد العام.

يتدرج الموقف من الماسونية من إعتبارها مؤامرة كونية تسعى للسيطرة على العالم عن طريق السيطرة على الحكومات وأجهزة الإعلام ومراكز الإقتصاد والتعليم والثقافة، وتفسير أن جميع الثورات والإنقلابات التى حدثت هى جزء من هذه المؤامرة، يشمل ذلك الحركات الصهيونية والشيوعية والثورات البرجوازية والكمالية فى تركيا وثورات الربيع العربى ما هى الاّ جزء من مخطط ماسونى للسيطرة على العالم، بينما يرى قطاع كبير أن الماسونية ليست الاّ جزء من مؤامرة صهيونية للتغلغل والسيطرة على العالم، وبعزز ذلك الرأى معطم الطقوس والمبادئ العامة للماسونية التى ترجع أصولها الى الملك داوود وسليمان وبناء الهيكل، بينما يجد فيها آخرين أنها إرتبطت تاريخيا بالمسيحية وأن الغزوات الصليبية فى الشرق ما هى الاّ جزء من تلك النظرية ويدللون على ذلك بالفريق الأشد شراسة وتصميما فى قتل المسلمين وهم “فرسان الهيكل” التى كان جميع أفرادها ماسونيين خلصاء، على أن كثير ممن إنتموا للماسونية تاريخيا من زعماء وقادة ومفكرين لم يتعمقوا فى فكرتها ولم يؤمنوا بمبادئها على نحو حقيقى ولكنهم تعاطفوا مع افكارها العامة فى الحرية والإنسانية والخدمة الإجتماعية، وكان الإنضمام اليها يعد موضة عصرية وتحقيق نوع من الوجاهة الإجتماعية والعصرنة.

إن المتتبع لفكرة الماسونية وتشكيلاتها يدرك أنها حركة نخبوية لا تنتشر الاّ فى أوساط المثقفين والمفكرين وحتى مؤسساتها الإجتماعية مثل حركات الروتارى والليونز هى فى جوهرها منظمات للأرستقراطية المدينية ولا تسعى للتغلغل فى أوساط الطبقات الفقيرة أو نشر فكرها بينهم بل تعمل بين نخبة ممن يسمون بنساء المجتمع الراقى لتقديم بعض الإعانات الخيرية للفقراء والمهمشين خصوصا فى مجال الصحة والتعليم، وكما يقول قادتها أنها تعمل على أن يكون الإنسان أكثر طيبة بغض النظر عن دينه أو عقيدته.

يذكر أن دخول الأفكار الماسونية الى مصر فى العصر الحديث بدأ مع الحملة الفرنسية التى حملت شعارات الثورة الفرنسية من حرية وإخاء ومساواة والتى تبنتها الماسونية وإستطاعت أن تجذب اليها الكثير من القادة والمفكرين على رأسهم “جمال الدين الأفغانى” وتلامذته كالشيخ محمد عبدة وسعد زغلول وغيرهم، وتوسعت النشاطات الماسونية فى البلاد وذلك بإنشاء نادى روتارى القاهرة فى 1929 وإنتشرت تلك الأندية حتى وصل عددها الى 27 ناديا تتركز فى القاهرة والأسكندرية وبعض المدن الكبرى، وتم تشكيل محفل أعظم ماسونى بالقاهرة إعتبر الزعيم سعد زغلول هو الرئيس الفخرى له، وإستمر نشاط الحركة بدون عوائق حتى تم حظر جميع أنشتطها عام 1964 فى ذروة النضال الوطنى ضد الإستعمار والصهيونية، وتم الغاء المحافل الماسونية وجميع فروع المؤسسات التى لها علاقة بها، ومع بداية الثمانينيات وبعد سريان إتفاقية كامب ديفيد سمحت السلطات المصرية بعودة نشاطها وتم إنشاء العشرات من أندية الروتارى والليونز مرة أخرى.

عموما تسبب الغموض الشديد الذى أحاط بنشأة وتطور الماسونية فى إضفاء صورة تآمرية عليها، ولا يمكن نفى ذلك بشكل قاطع، وتوجد تفاصيل تاريخية كثيرة ومتضاربة عنها بما فى ذلك تفسيرات عديدة لشعاراتها وطقوسها وقادتها التاريخيين، بل يرجع البعض نشأتها منذ بناة الأهرام والحضارات الإنسانية العظيمة ويعطونها أكثر من قيمتها التاريخية ويخلطونها بعبادات دينية وأفكار علمانية متناقضة، وهكذا فإنه من المستحيل نقل تراث أو فرضيات عبر الاف السنين دون إضفاء عنصر الزمن وعنصر الفلسفة والإنسانيات والعقائد الدينية عليها، ومن هنا فإن التأريخ للماسونية لا يجب أن يعتمد على المراجع وحدها ولكن يجب إعمال العقل وتنقية ما لصق بها من تصورات، ومحاولة الفصل بين ما هو حقيقى وما هو دخيل، ووضع حدودا فاصلة بين الماسونية وفرسان الهيكل، وبينها والحضارات الخالدة كالفرعونية والإغريقية وبين أساطير الأولين وعلوم “الروزكروسيين” من جهة أخرى، والفصل بين فنون الرسم والنحت والعمارة فى الحضارات القديمة ومحاولة إعطاء تفسيرات ماسونية متعسفة لها، علينا أن نكون دقيقين فى دراسة أصول الماسونية وتنقيتها من كثير من الخزعبلات والأوهام التى ألصقت بها من أعدائها والأكثر من أصدقائها الذين فسّروها ضمن هندسة “فيثاغورث” وشيعة “أهل قمران” ومجمعات أثينا والأسكندرية ونيقية، وضمن الصليبيين والمنوّرين.

Print Friendly
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged . Bookmark the permalink.