مساهمة فى تجديد الفكر الماركسى – 2

د. رياض محرمvرياض محرم

(أولا) فى مسألة ديكتاتورية البروليتاريا

البروليتاريا Proletariat هى كلمة لاتينية إستخدمت فى العصر الرومانى بمعنى “الرجل الكثير الأولاد” وإستمر إستخدامها فى العهود السابقة للرأسمالية إشارة الى الطبقات الفقيرة والمحرومة فى المجتمع، ولكن بدأ إستخدامها بتوسع فى أوروبا منذ نهايات القرن الثامن عشر فى كتاب “جان جاك روسو” العقد الإجتماعى، وأدخلها موزس هيس فى قاموس اليسار الألمانى وكذلك تعرّض لها “سان سيمون” ، وفى القرن التاسع عشر إستخدم ماركس وإنجلز الكلمة للدلالة على طبقة العمال حديثة النشأة الذين لا يملكون الا قوة عملهم ليبيعونها فى سوق العمل كأى سلعة.

عرفت الديكتاتوريا عبر التاريخ الإنسانى منذ ظهور الطبقات وانتهاء المرحلة المشاعية الأولى عبر طبقة السادة فى مواجهة العبيد وطبقة النبلاء والإقطاعيين ضد أقنان الأرض وهى مرحلة أقل ديكتاتورية من سابقتها، وفى المجتمعات الرأسمالية تحققت الديكتاتورية فى إنقسام المجتمع الى طبقة الرأسماليين (ملاك أدوات الانتاج) وطبقة البروليتاريا، وإزاء هذا القهر والاستغلال لا تملك هذه الطبقة الا التوحد والثورة “بفعل الوعى بذاتها” والإطاحة بالبرجوازية واقامة ديكتاتوريتها.

إمّا ديكتاتورية البروليتاريا فقد إستخدمها ماركس وانجلز بصفة ثورية وتعنى سيطرة الشغيلة أو حكمها فى مرحلة إنتقالية من الرأسمالية الى الشيوعية وهى مرحلة الإشتراكية وقد أوردها ماركس لأول مرة فى سياق “نقد برنامج جوته”، كما تكرر إستعمال الكلمة بصورة متكررة فى كراس ” الصراع الطبقى فى فرنسا 1850″، وردد ماركس مقولة “بلانكى” حول مدلول الكلمة فى “سنوات التقارب الفكرى بين الرجلين” حيث قال عنه ماركس أنه (الزعيم الحقيقى للبروليتاريا 1848)، وإعتبرها ماركس مرحلة انتقالية لابد منها لتهيئة المجتمع لتقبل النظام الشيوعى “مجتمع الوفرة” حيث الإنتقال من كل حسب عمله الى كل حسب حاجته، وليست ديكتاتورية البروليتاريا غاية فى حد ذاتها ولكنها وسيلة لتحقيق غاية وهى إختفاء الطبقات وإحلال مجتمع لا طبقى يتمتع فيه الجميع بحقوق والتزامات متساوية.

الحكم فى المرحلة الإنتقالية يتسم بالديكتاتورية والقهر ولكنها ديكتاتورية الأغلبية الممثلة فى الطبقة العاملة ضد الأقلية المستغِلة “البرجوازية”، ويتم إستخدام سلطة الدولة القمعية خلال المرحلة الإنتقالية “الإشتراكية” كوسيلة لديكتاتورية طبقة البروليتاريا، ومع إستكمال تلك المرحلة والإنتقال الى الشيوعية تتلاشى الطبقات وبالضرورة تنتفى الحاجة الى الدولة وخاصة أجهزتها القمعية التى تضمحل وتذوب.

يفترض ماركس 3 مسائل رئيسية:

1- الصراع الطبقى داخل المجتمع البرجوازى يصير الى أزمة عالمية تؤدى الى حدوث إحتقانات وحروب دولية لا يمكن تجاوزها.

2- طالما أن شروط البروليتاريا غير متساوية فى مختلف المجتمعات حيث النمو غير المتوازن الذى يؤدى الى نضوج الظرف الثورى فى دولة واحدة.

3- جدلية الثورة والثورة المضادة تلك التى تقف فى وجه التحول السلمى وتدفع الى الثورات العنيفة.

من ذلك يمكن فهم مغزى رسالة ماركس الى فيديماير فى 1852 ( كان الجديد الذى قمت به أن أبرهن على أن الصراع الطبقى يقود بالضرورة الى ديكتاتورية البروليتاريا، على أن هذه الديكتاتورية لا تشكل سوى الإنتقال الى الغاء كل الطبقات ونشوء مجتمع بلا طبقات)، وفى نقد برنامج جوتا يقول ( بين المجتمع الرأسمالى والمجتمع الشيوعى تقع فترة التحول الثورى من أحدهما الى الآخر وتقابلها فترة انتقال سياسى لا يمكن للدولة فيها أن تكون شيئا آخر سوى الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا)، وفيما كتبه ماركس وانجلز عن كوميونة باريس عن السمات المؤسساتية والتدابير الثورية التى اتخذتها حكومة الكوميونة لإرتباط بعض مظاهرها الهامة:

1- الشعب المسلح (أو الجيش الشعبى) شرط لا غنى عنه فهو أداة البروليتاريا للوصول للسلطة.

2- “كان ينبغى أن لا تكون الكوميونة هيئة برلمانية، بل هيئة فعالة، تنفيذية وتشريعية فى آن معا“.

3- تحطيم الآلة القمعية للدولة بما فيها الشرطة والقضاء وتحويلهم الى موظفين لخدمة المجتمع الجديد.

ويظل تصور ماركس عن هذا الشكل تصورا تجريديا أو بمعنى آخر نظريا لم يجد التطبيق العملى فى تلك المجتمعات التى تنبأ بقيام سلطة العمال بها، ولكن التطبيق الحقيقى لمبدأ ديكتاتورية البروليتاريا تم تطبيقه فعليا فى روسيا بعد إنتصار الثورة البلشفية، حيث إستحدث شكل مجالس المندوبين (السوفيتات) واللجان والمجالس الشعبية وهو الشكل الذى حدده لينين فى “الدولة والثورة” بالقول ( إنتخاب كافة الموظفين والقضاة وقادة المليشيات العمالية وكافة المندوبين الممثلين للعمال وتعاقب الممثلين وتحديد دخلهم بأجر عامل مؤهل وقابلية عزلهم طبقا لإرادة الناخبين، يعنى هذا ديموقراطية تمثيلية من طراز سوفييتى تتعارض مع الديموقراطية البرلمانية وتستبع أشكالا متنامية الإتساع من الديموقراطية المباشرة)، وأكد لينين فى أطروحاته عن ” الديموقراطية البرجوازية وديكتاتورية البروليتاريا” فى المؤتمرات الأربع للأممية الشيوعية (ديكتاتورية البروليتاريا هى السحق عن طريق القوة لمقاومة المستغلين أى الأقلية الضئيلة من السكان، الملاكين العقاريين والرأسماليين، كما ينتج عن هذا أيضا أن ديكتاتورية البروليتاريا تحدث بشكل حتمى تغييرا ليس فقط فى الأشكال والمؤسسات الديموقراطية بشكل عام، بل أنها أيضا تحدث تغييرا يصل الى التوسيع غير المعروف لحد الآن للمبدأ الديموقراطى لصالح الطبقات التى تستغلها الرأسمالية، لصالح الطبقات الكادحة ويحقق لها إمكانية سريعة للإفادة من الحقوق والحريات الديموقراطية كما لم يحصل من قبل ولو بشكل مشابه فى الجمهوريات البرجوازية الأفضل والأكثر ديموقراطية)، وقد إعتمد معظم الماركسيين اللينينيين هذا الإعتقاد بل أن بعضهم زاد عليه إن ديكتاتورية البروليتاريا سيتم الاحتفاظ بها حتى بعد إنجاز مرحلة التحول الإشتراكى طالما بقيت أنظمة رأسمالية فى بقاع أخرى من العالم.

ولكن مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا كنظام حتمى يرتبط بالمرحلة الإنتقالية بين الإشتراكية والشيوعية قد ووجه بإعتراضات كثيرة داخل وخارج النظام السوفييتى على رأس تلك الإعتراضات ما جاء من الأحزاب الشيوعية فى أوروبا الغربية (الحزب الشيوعى الفرنسى والايطالى والاسبانى وحتى اليابانى وغيرهم) مضمونه أنه يمكن الإنتقال الى الإشتراكية دون ثورة مسلحة ومن غير الضرورى عندما تتسلم هذه الأحزاب السلطة فى بلدانها أن تطبق ديكتاتورية البروليتاريا لتصفية الطبقات الأخرى، ويعددون لذلك أسباب منها:

1- لقد تم ترسيخ الديموقراطية البرجوازية فى هذه المجتمعات منذ زمن طويل واستقرت فى الوعى الجمعى لشعوبها وجربتها كآلية لإنتقال الحكم ولن تستسيغ ببساطة أى أنظمة ترفع شعارات الديكتاتورية تحت أى مسميات، بعكس ما حدث فى بلدان لم تجرب الديموقراطية البرلمانية على النمط الغربى مثل روسيا، كما أن هذه الأحزاب تدرك أكثر من غيرها النتائج الوخيمة جرّاء إعلانها عن ديكتاتورية البروليتاريا فى برامجها لأنها بالضرورة سوف تفقد حلفائها الجبهويين الذين لا يمكنها الإستغناء عنهم، خصوصا بعد ما حققته تلك الأحزاب من إنتصارات برلمانية كبيرة فى فترات تاريخية متعاقبة.

2- تدّعى هذه الأحزاب التى تنكّرت لمبدأ ديكتاتورية البروليتاريا فى بلدانها أن الطبقة العاملة التى عمل عليها كارل ماركس فى القرن التاسع عشر قد تم تجاوزها وحدثت تغيرات بنوية عميقة فى طبيعتها ووضعها المادى وتحولت من طبقة الأفرولات الزرقاء الى موظفين ذوى ياقات بيضاء يقومون بعمل ذهنى فى أغلبه.

ليس فى أوروبا فقط ولكن حتى فى بلدان ما يسمى بالعالم الثالث التى وصلت فيها أنظمة ثورية الى السلطة بطريق الإنقلابات أو حروب التحرر الوطنى والتى لعبت فيه منظمات تتبنى الأفكار الماركسية الدور القيادى، فى هذه المجتمعات استحدثت صيغ مختلفة من الإستبداد السياسى باسم ديكتاتورية البروليتاريا، شاهدنا ذلك فى بلدان كأثيوبيا واليمن الجنوبى والكونغو ، وكذلك الأنظمة الأشد دموية فى كمبوديا ولاوس وشمال كوريا وغيرها، رافعة لواء الفكر الماركسى فى مجتمعات زراعية سابقة للرأسمالية، لا يقلل ذلك من نجاحات فى قطاعات معينة حققتها هذه الأنظمة ولكن ما يجمعها هو الحزب الواحد وتقديس الفرد والنمو السرطانى لجهاز الدولة وخاصة الجهاز القمعى ممثلا فى المخابرات وأجهزة القمع الأخرى.

لعبت مسألة تحالف العمال مع الفلاحين كما طرحها لينين بدأ فى تغيير المفهوم الماركسى عن ديكتاتورية البروليتاريا وإستبدله ب “الديكتاتورية الديموقراطية الثورية للعمال والفلاحين”، حيث تحمل المرحلة الإنتقالية فى صلبها تعايشا صداميا بين مظاهر من رأسمالية الدولة ومظاهر شيوعية، ويستمر الصراع الطبقى فى المنظومة الجديدة بأشكال جديدة، مع التركيز على الجوانب الإقتصادية للمرحلة، وقد شرح ذلك “بوخارين” فى كتابه (تطور إقتصاد فترة الإنتقال)، وبعد رحيل لينين حيث إختفى الحديث حول تفاصيل تلك المرحلة وحل محلها ديكتاتورية مباشرة للحزب والقائد، ولكنها عادت بقوة بعد عصر ستالين حيث اعلن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفييتى إخفاق برنامج “الانتقال الى الشيوعية” وإستبداله ببرنامج “بناء مجتمع اشتراكى متقدم” الذى صاغه المؤتمر الثانى والعشرين (1961)، وذاعت تعبيرات ” الديموقراطية الشعبية” و “دولة كل الشعب”، وسرعان ما توقف النقاش مرة أخرى.

ويعتبر جرامشى مؤسس الحزب الشيوعى الايطالى فى كتابه الأشهر “دفاتر السجن” أن الإنتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية يتم عبر الديموقراطية الجماهيرية ونظام للتحالف العضوى بين الطبقات الشعبية من خلال عملية ثورية ثقافية أو تربوية وركّز على القيادة عن طريق الهيمنة بديلا عن الديكتاتورية عن طريق السيطرة، لذا فإن تلك الهيمنة التاريخية ليست نتيجة علاقة سلطة بل نتيجة عمل جماهيرى متصاعد وأن بناء الحزب البروليتارى لا يتم بظهور طليعة واعية ومنظمة بل هو عملية طويلة ومعقدة تعمل على توحيد (قبل وبعد الاستيلاء على السلطة) البروليتاريا والجماهيروتنتقل المركزية الديموقراطية من الحزب للدولة ذاتها.

أمّا فى منطقتنا العربية فلم تتم مناقشات عميقة حول هذه المسألة, وقد كان الحزب الشيوعى السودانى من أول الأحزاب التى أخضعت مسألة ديكتاتورية البروليتاريا للمناقشة منذ خمسينيات القرن الماضى، وإعتبر أن الديموقراطية البرجوازية كاداة لا تلغى الاضطهاد الطبقى ولكنها تساعد على كشفه، ولا تخلص العمال من الاستبداد ولكنها تعينهم على الصراع ضده اقتداءا بقول ماركس عن جمهورية 1948 فى فرنسا “إنها تساعد على سيطرة البرجوازية غير أنها تهيئ فى ذات الوقت المناخ السياسى الملائم الذى يمكّن المستغلين (بفتح الغين) من التصدى لمستغليهم وتصفية ظروف الاستغلال”، وقبول الحزب بممارسة العمل السياسى وفق المبادئ العامة للديموقراطية الليبرالية.

أمّا فى مصر فقد حدثت تغيرات إجتماعية عميقة أدت فيما أدت اليه الى تساقط شرائح كبيرة من البرجوازية الوسطى والشريحة الدنيا من البرجوازية الكبيرة الى مصاف البرجوازية الصغيرة وما هو أدنى منها، وقد شهد بداية تكوين طبقة البروليتاريا فى مصر الى النصف الثانى من القرن التاسع عشر مع إنتقال عدد من كبار ملاك الأراضى والتجار الى المجال الصناعى، وشهد التطور الصناعى السريع فى بدايات القرن العشرين فى ظل الإحتلال الإنجليزى “وأحيانا بمباركة وتشجيع منه” لسد حاجة جيش الاحتلال والحلفاء فى حقبة الحربين العالميتين، وتزامن ذلك مع نزوح أعداد ضخمة من فقراء الريف الى مراكز الصناعة فى المدن وعلى الأخص فى صناعات الغزل والنسيج فى شبرا الخيمة والمحلة وكفر الدوار، وشكّلت أحزمة الفقر والعشوائيات حول المدن، وقد أدى ذلك الى ولادة مشوهه لهذه الطبقة وضعف تنظيماتها النقابية، ولكن بالرغم من ذلك خاضت الطبقة العاملة نضالا مريرا لإنتزاع حقوقها السياسية والإجتماعية وشهدت نهوضا مهما لعب فيه اليسار الدور الأساسى وبرزت قيادات نقابية وسياسية تاريخية من صفوف الشيوعيين.

تأثرت الحركة الشيوعية والعمالية عموما بسنوات طويلة من القهر والقمع المذدوج من قبل الإحتلال وعملائه فى الداخل من كبار ملاك ورأسمالية غير وطنية، وخاض الشيوعيين معركتهم من أجل الاشتراكية والتحرر وإنهاء التبعية، وأفرز هذا الزخم الثورى منذ تأسيس الحركة الشيوعية فى عشرينيات القرن الماضى فى بروز قادة عماليين شيوعيين عبر نضال الطبقة العاملة النقابى والسياسى، وخصوصا فى سنوات إحتدام النضال الثورى الذى ساعد عليه وجود الديموقراطية النسبى فى سنوات الحكم الملكى وما بعد فترة الحكم الناصرى المستبد سياسيا.

شهد الثلث الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالى حدوث تغيرات متعددة أثرت بشكل عميق على تركيب وبنية الحركة العمالية وفاعليتها الثورية، ويمكن تلخيص تلك التغييرات فى التالى:

1- التطور المتسارع فى الثورة التكنولوجية والإتصالات أحدثت إنقساما حادا فى طبيعة وتكوين الحركة العمالية فتحولت من كتلة شبه متجانسة من العمال اليدويين ذوى الأجور المتقاربة الى نوعيات مختلفة من العمالة المأجورة من حيث مستوى الأجور والتعليم والثقافة والوعى ونوع العمل وظروفه وزاد الإنقسام بين عمالة مؤهلة (خريجو جامعات ومعاهد فنية وتعليم متوسط صناعى وتجارى وزراعى فى الاغلب) وبين عمالة غير مؤهلة (غير مدربة وغيرماهرة) وتشمل الاعمال اليدوية فى مجالات البناء والنظافة وغيرها.

2- تراجع الثقل النسبى للعمالة فى المجالات الصناعية المتقدمة ( الصناعة – التعدين – الطاقة – الكهرباء) من 41.3% سنة 1976 الى 37% عام 1996وتزايد الثقل فى الصناعات الخدمية (السياحة – النظافة – النقل الخاص – التوزيع وتجارة التجزئة – الحراسات ) من 14% الى 45% تقريبا فى نفس المدة، وزادت العمالة الفردية التى تعمل لحسابها ولدى الغير بشكل يومى ومتقطع من 14.8% الى 18% تقريبا.

3- أدّى التحول من رأسمالية الدولة الى رأسمالية القطاع الخاص منذ منتصف السبعينات تقريبا وما واكبه من قوانين وتشريعات رأسمالية والإسراع فى برامج الخصخصة مما أدى الى تغيّر نوعى فى علاقات الإنتاج وتصفية المواقع العمالية ذات الكثافة الإنتاجية العالية والعمالة الكثيفة وتفكيكها الى وحدات انتاجية صغيرة، وأدت سياسة الخصخصة الى تسريح واسع للعمال من خلال تغطية قانونية فيما يسمى نظام المعاش المبكر بما يقارب ثلث العمالة فى تلك الوحدات.

4- إنتقال المراكز الصناعية ذات الثقل والخبرة النقابية الطويلة من مواقع تقليدية (حلوان – شبرا الخيمة – المحلة الكبرى – كفر الدوار) الى المدن الصناعية الجديدة ( 6 اكتوبر – برج العرب – السادات – 10 رمضان) التى يغلب عليها العمالة التكنولوجية، وساهم ذلك فى إندثار العمالة التقليدية ونشوء نوع جديد من العمالة بدون تاريخ نقابى متصل مع سابقه.

5- يعتمد الشكل الذى نشأ فى ظل الإنفتاح والأزمة الإقتصادية الى علاقات إنتاج مضطربة وأشكال من العمل غير المستقر، فمن ناحية رجال الأعمال الجدد فإنهم يمارسون إستثماراتهم بطريقة اللصوص وذلك بموافقة السلطة التنفيذية والتشريعية بل ومباركتها أيضا، وتتجلى صور ذلك فى الإستيلاء على المصانع بابخس الأسعار الى نهب الاراضى والتهرب من الضرائب والإتجاه الى الإنتاج الإستهلاكى والربح السريع بمنطق ” اسرق واهرب”، وبأساليب منحطة من الرشوة والتغيير المستمر فى النشاط الإنتاجى للإستفادة من الإعفاءات الضريبية والنصب على البنوك ثم تهريب الأموال والهروب خارج البلاد.

6- أيضا فإن العمالة الجديدة تسلك فى الغالب سلوكيات غير تقليدية كالإنتقال السريع بين مختلف الوظائف والتخلى عن أخلاقيات الطبقة العاملة المتوارثة والمنافسة غير الشريفة مع زملائهم والإنفاق الترفيهى بما يفوق إمكانياتهم، ناهيك عن الأمراض الإجتماعية التى انتشرت سريعا كالإدمان والتحرش وغيرها.

على أن تلك هى نصف الصورة فقط، أما النصف الثانى الإيجابى فشهد نموا متصاعدا للإضرابات والإعتصامات والإحتجاجات العمالية فى السنوات الأخيرة وتحديدا منذ بداية الألفية الجديدة، وقد أورد الكاتب فى القضايا العمالية “إلهامى الميرغنى” فى بحث عميق له بعنوان ” التغييرات فى بنية الطبقة المصرية” حجم العصيانات العمالية المتتالية والمتنامية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة واصفا لنا كيف إرتفعت عدد الإحتجاجات العمالية من 86 إحتجاجا عام 2003 الى 700 إحتجاج عام 2009، وكان لتلك التحركات العمالية وخصوصا الإضراب الشهير لعمال المحلة فى 6 ابريل 2008 الدور الأكبر فى تفجير ثورة 25 يناير التى لعب العمال فيها دورا كبيرا، وتصاعد أعداد النقابات العمالية المستقلة وتشكيل “الإتحاد المصرى للنقابات المستقلة”، كما تصاعدت نشاطاتها ومشاركاتها فى الإحتجاجات المختلفة بمعظم المصانع والمؤسسات العمالية، ورغم ذلك فإن الصوت العمالى فى الثورة ما زال ضعيفا مقارنا بما كان ينتظر ويتوقع ولم نشهد تطورا إيجابيا حقيقيا يترجم قوة الطبقة وإنتشارها فى إكتساب الوعى الثورى وظلت حبيسة خلافاتها وصراعاتها وإسر بعض المطالب الإقتصادية وعجزت عن تحقيق مكاسب مستدامة تشمل عموم الطبقة.

نعود ثانية الى موضوعنا الرئيسى حول ديكتاتورية البروليتاريا بعد تلك اللمحة عن ظروف الطبقة العاملة ووضعها الراهن، فواقع الحركة الشيوعية عقب الثورة قد تحسن كثيرا عن وضعها خلال العقود الثلاث الأخيرة واستطاعت انشاء تنظيماتها المستقلة، نستطيع القول بلا تزّيد أن الحركة كانت قد شهدت أفولا منذ الإنتفاضة الشعبية فى 1977 وشهد عقد الثمانينات قمة تشرذمها مع نهاية هذا العقد وتفكك الاتحاد السوفييتى وشهدت المرحلة التحولات الكبرى للشيوعيين المصريين وتفرقهم بين الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدنى وبين الأحزاب الليبرالية أو الإهتمام بشأنهم الخاص والسفر لتحسين أوضاعهم الإجتماعية، ومن بقى منهم قابض على الجمر ومتمسكا بثوابت الموقف الثورى شارك فى حركات جماهيرية مثل “كفاية” ثم الجمعية الوطنية للتغيير” وإنصبت إهتمامهم على بعض الوقفات الإحتجاجية والمؤتمرات الصحفية والبيانات التحريضية، ولكن لا يجب التقليل من تلك النضالات التى مهدّت وراكمت لثورة 25 يناير والإنتفاضات الجماهيرية التى تلتها، لكن لم يكن هناك إهتمام حقيقى بإعادة قراءة الماركسية بشكل موضوعى، ناهيك عن دراسة موضوعات أساسية مثل ديكتاتورية البروليتاريا.

أن الحالة الثورية المستمرة منذ 25 يناير حتى الآن دفعت بأعداد متعاظمة من الجماهير وخاصة الشباب الى تفتح وعيهم الثورى وحالة الجدال السياسى المستمر فى جميع المواقع بالشوارع والبيوت وعلى صفحات الإنترنت وتفجّر الرغبة فى المعرفة السياسية لدى الجميع لتشمل ربات البيوت والناس وعلى المقاهى والمواصلات العامة لتنطبق على ذلك مقولة “إن الهواء الذى نتنفسه سياسة”، بينما تعجز التنظيمات السياسية عن إستيعاب تلك الطاقات المتفجرة بسبب عدم مواكبة حركة الجماهير واهتماماتها ومشاكلها اليومية وبسبب عدم تجديد خطابها السياسى واستمرار خلافاتها العقيمة حول قضايا تجاوزها الشارع والواقع، فليس من المنطقى والمناسب بعد ثورات الحرية والكرامة الإنسانية أن لا تستطيع ان تقدم نظرية سياسية تتلاءم مع معطيات العصر وتطورات الواقع وتعجز حتى الآن عن اقامة حزب ثورى واحد تنصهر فيه جميع قوى اليسار لتقدم برنامجا ورؤية سياسية موحدة، وعلينا أن نعترف أن لفظ الديكتاتورية لم يعد مستساغا إنسانيا ولا مقبولا على مستوى الجمهور ومن الصعب تسويقه لشعوب عانت من الإستبداد لعقود طويلة وتتطلع الى تحقيق حريتها وانعتاقها، آن الأوان أن يكون لدى الشيوعيين الشجاعة لتجاوز تلك الكلمة الصادمة الى نوع أرحب من الديموقراطية الشعبية تتأسس على الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتوسيع الحقوق الديموقراطية للجماهير بشكل متكافئ بدون تمييز، والإعلان بوضوح عن تبّنى فكرة الوصول الى السلطة بطريق سلمى يعتمد على إقناع الجماهير بأفكار اليسار وبرنامجه والرهان دائما على تحقيق ذلك من خلال كسب أصواتها فى صناديق الإنتخاب وإمكانية تداول السلطة إذا لم يستطع الحزب أو الجبهة تحقيق برنامجها وتلبية طموح من انتخبوها ..ذلك هو التحدى.

التالى..حول مسألة المركزية الديموقراطية

Print Friendly
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged . Bookmark the permalink.