في جواز بقاء من أسلمت على ذمة زوجها غير المسلم

إمام محمد إمام  زواج

* نختتم في حلقة اليوم استعراض تلخيص البحوث المقدمة للمجلس الاوروبي للافتاء والبحوث في دورته العادية الثامنة التي عقدت في المركز الثقافي الاسلامي في مدينة بلنسية الاسبانية اخيرا، حول موضوع زواج المرأة وبقاء زوجها على دينه، بتلخيص لبحث الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع عضو المجلس، بالاضافة الى نص القرار.

إسلام أحد الزوجين يستهل الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع عضو المجلس بحثه قائلا: فموضوع بحثي المقدم الى المجلس يمثل قضية من القضايا التي ربما يخطر في الذهن اول مرة عند ذكرها ان حكم الشريعة فيها مستقر بالاجماع، تلك هي: ما الذي ينبني على اسلام أحد الزوجين الكافرين، من جهة ثبوت الفرقة بينهما، وذلك انه مستقر في الاذهان ابتداء ان الاسلام يمنع استمرار الحياة الزوجية بين مسلمة وكافر، او مسلم وكافرة، الا ان تكون كتابية، لإباحة نكاح نساء اهل الكتاب، حتى وقع من طائفة كبيرة من أهل العلم ان ظنت هذه المسألة مما لا يحتمل فيه الكلام لأنها في ظنهم اصبحت من جملة المسلمات التي لا تصح المراجعة فيها.

ومع شكي سلفا بكل ما يدعى فيه الاجماع مما لم يعلم من دين الاسلام بالضرورة، ومع تجويز وقوع الخلاف في هذه المسألة، لكنني لم اكن اتخيل فيها تعدد الآراء على النحو الذي اوقف عليه البحث. وامضيت دهرا طويلا وانا مع القول الشائع: اسلام أحد الزوجين يبطل عقد النكاح بينهما ويحيل العلاقة الزوجية بينهما الى علاقة ممنوعة، ولم اجد في ما تعرضت له من المسائل التي تعم بها البلوى هذه المسألة قبل ان ادفع الى الهجرة الى اوروبا، وفيها فاجأني الواقع الغربي بحالات عملية من هذا النمط استوقفتني متسائلا متحيرا بين المقدمة الفقهية القائمة في ذهني وهذه الحادثات.

رأيت الرجل يسلم وزوجته وثنية هندوسية ونحو ذلك، والمرأة تسلم وزوجها كافر، والمسلمون في هذا الواقع لا يملكون اكثر من ان يدلوا هؤلاء على الاسلام ويبينوا لهم شرائعه واحكامه بمقدار ما يهمهم، لا يملكون في العادة القدرة على ايوائهم وكفالتهم بعد اسلامهم، فلو اسلم أحد الزوجين ورتب على ذلك الزامه او الزامها بمفارقة قرينه، فإلى اين يصير؟ وربما كانت علاقة الزواج بين من اسلم وقرينه او قرينته قوية، من حب ووئام وحسن عشرة قبل الاسلام، بل هذا هو الاصل، فإذا اسلم طرف منهما فألزمناه بمفارقة الآخر، فكيف سيكون ظنه بهذا الدين الجديد وهو حديث عهد به وقد رآه فرق بينه وبين من يحب؟ فكيف اذا كان بين الزوجين ذرية، فيجد الجميع ان الاسلام قد فرق اسرتهم وشتت شملهم؟ ايصح ان يكون الدين الذي قامت جميع شرائعه على الحكمة والعدل والذي من مبادئه حفظ المجتمع من جميع اسباب فساده، والذي جعل من اخلاق الشياطين والسحرة التفريق بين المرء وزوجه، ان يحكم حكما حديا يقول فيه لمن دخل الاسلام: ان كنت ذا زوجة فإنها مفارقتك لو دخلت الاسلام؟ أليس هذا تنفيرا وابعادا للناس عن دين الله؟

لقد فاجأني ذات يوم حال امرأة نصرانية متزوجة ولها عيال، تعلمت شىئا من الاسلام، فرغبت في ان تسلم فقيل لها: اذا اسلمت انقطعت العصمة بينك وبين زوجك فما ان سمعت ذلك حتى انصرفت عن الاسلام. فساءني ذلك غاية المساءة، وقلت في نفسي: لا يمكن ان يكون كذلك دين الاسلام الذي يقصد الى تأليف القلوب عليه، ولا يمكن ان يكون كذلك هدي الرؤوف الرحيم بالمؤمنين صلى الله عليه وسلم، وقد اسلم رجال قبل نسائهم، ونساء قبل ازواجهن، ما لا يحصيه الا الله. هذا تعسير لا تيسير، وتنفير لا تبشير، بل صد عن سبيل الله.

ومن ثم اجمعت امري على تتبع ما يتصل بهذه المسألة ودراسته، خاصة بعدما وردت هذه القضية على المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث، فلم اجد لنفسي فسحة الا بالمشاركة في معالجة الموضوع بدراسة شرعية علمية تستقصي جوانبه، وتجلي حقيقته، بما يفتح الله تبارك وتعالى به.

والمنهجية التي اتبعتها في بحثي هذا على ما اختطه لنفسي في دراسة اي قضية شرعية، وفق ما يلي: 1 ـ جمع كل ما له صلة بالموضوع في الكتاب والسنة والاثر ومذاهب الفقهاء.

2 ـ تحقيق الروايات الحديثية من جهة الثبوت، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا من اخطر ما يجب ان يراعيه الفقيه، فإنه ليقبح بالفاضل ان يكون الفساد لقوله نتج عن فساد النقل، فسقوط حجة النقل اسوأ من سقوط حجة العقل، فإذا كان يعمل جهده لتحاشي الثاني، فوالله انه الاجدر به ان يتحاشى الاول.

3 ـ تحرير النظر في ادلة الكتاب والسنة الثابتة، على وفق اصول النظر.

4 ـ تلخيص المستفاد من النصوص، ليكون قاعدة تحاكم اليها المذاهب والاقاويل ويرجح ألصقها بها.

5 ـ نخل المنقول من مذاهب الصحابة، وتمييز ما يصح الاستشهاد به منها رواية ودراية، وتوضيح صلته بأدلة الكتاب والسنة.

6 ـ تحرير سائر مذاهب التابعين فمن بعدهم من الفقهاء، واتباع ذلك بمناقشتها.

على وفق هذه المنهجية جريت في تحقيق هذه القضية، فجاءت على النحو التالي:

المبحث الأول: في سبب نزول الآية الكريمة «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات المهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن» الممتحنة ـ الآية 10.

وبينت فيه ما حاصله: لا تختلف الرواية ان هذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش، وذلك بعد الاتفاق الذي جرى توقيعه بين النبي صلى الله عليه وسلم ومشركي مكة، وفيه: من لحق بالكفار من المسلمين لم يردوه، ومن لحق بالمسلمين منهم رد اليهم، كما صحت بذلك الاحاديث عن عمر بن الخطاب، والبراء بن عازب وغيرهما، وجاء من حديث المسور بن مخرمة التصريح بأن الآية نزلت في ذلك.

ومن المنقول الثابت في ما تقدم نزول الآية ثم ما كان سببا في نزولها فيه الدلالة على ما يلي:

1 ـ تحدثت الآية عن وضع خاص، وهو أن: مسلمة هربت بدينها ممن يسعون في فتنتها فيه، وهم الكفار المحاربون، الى من اعتقدت انهم سينصرونها فيه، وهم المسلمون، او كافرة آثرت البقاء مع اعداء الله المحاربين لدينه واوليائه. هذا الوضع اقتضى شرائع مناسبة، فأوجب ايواء المؤمنة الهاربة بدينها، ومنع من تمكين العدو منها بارجاعها اليه، كما امر بقطع الصلة بين المسلم المهاجر وزوجته التي بقيت او هربت منه الى المشركين المحاربين لتكون في صفهم.

2 ـ كانت صيغة الاتفاق بين النبي صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش تعم النساء بلفظها، لكن لما علم الله من ضعف المرأة، بين لنبيه صلى الله عليه وسلم ان من ثبت له بعد امتحانها انها مؤمنة، فهي خارجة من عموم صيغة الاتفاق، فلا ترد الى الكفار.

3 ـ اشعرت الآية ان في المؤمنات المهاجرات من كانت ذات زوج في ارض الحرب، فتركته وهربت منه، كذلك شملت بعمومها من لم تنكح اصلا، بل صرح بسبب النزول انه كان فيمن قصدن بهذه الآية: أم كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط، وكانت يومئذ شابة لم تنكح، فأريدت بقوله تعالى: «فلا ترجعوهن الى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن»، ولذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم تسليمها الى من جاء يطلبها من اهلها.

والآية اذا نزلت على سبب، والحديث اذا ورد على سبب، فالسبب قطعي الدخول في ذلك النص، فحالة من لم تنكح من المهاجرات المؤمنات كأم كلثوم بنت عقبة مرادة قطعا بما دلت عليه هذه الآية من الاحكام، ومن نكحت ومن لم تنكح سواء في منع تمكين الكفار المحاربين منهن، بجامع الضعف في جميعهن. 4 ـ حين نزل قوله تعالى: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر»، وكان لبعض الصحابة كعمر زوجات مشركات في ارض الشرك، عمدوا الى تطليقهن، والنبي صلى الله عليه وسلم بين اظهرهم، ولم يفهموا ان عقد الزواج قد انفسخ لاختلاف الدينين، لأنه لا فائدة لقيامهم بذلك إذا كان عقد النكاح منفسخاً بنفسه، وهذا يعني لو أن أحدهم بقي ممسكاً بعصمة امرأته لم يطلقها، فهو مُواقع للمحذور، لكن لم تطلق عليه امرأته.

وفي المبحث الثاني: أوردت تفسير آية الامتحان في عبارات السلف من الصحابة والتابعين ومن قرب من زمانهم، مما جاء على التوكيد للخلاصة السابقة، أن الآية نص في شأن المهاجرات اللاتي هاجرن بعد صلح الحديبية استثناء من الشرط بين النبي صلى اللّه عليه وسلم والمشركين، وأن من لم يثبت للمسلمين إيمانها، عادوا بها إلى شرط الاتفاق، فترجع من حيث جاءت، لمفهوم قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن). ومن أمسكها المُسلمون من المهاجرات ولها زوجٌ في أرض الشرك، فعلى المسلمين أن يُعطوا زوجها ما أنفق عليها من مهرٍ وغيره، لقوله تعالى: (وآتوهُم ما انفقوا)، وقوله: (وليسألوا ما أنفقوا)، ومن صارت إلى الكفار من نساء المسلمين، فعلى زوجها أن يطلقها، وذلك لقوله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، وأن يطلب من الكفار ما سبق من نفقته عليها من مهرٍ وغيره، كما قال تعالى: (واسألوا ما أنفقتم).

وحاصل النظر في سبب نزول الآية وما احتف بها من حيثيات: عدم قطعية سبب المنع من إرجاع المهاجرات إلى الكفار، أهو بطلان عقد النكاح بينهن وبين أزواجهن؟ أم لما في ذلك من إبطال لهجرتها وقد أتت هاربة بدينها، وتمكين للعدو المحارب منها، إذ ستنال منه ما لا تطيق، مما قد يصير بها إلى الفتنة في دينها، فكان من المتعذر أن تستمر بينها وبينه علاقة زوجية مع هذا الاعتبار؟

فإن كان الأول، فكيف الجواب عن العلاقة الزوجية التي كانت قبل نزول آية المهاجرات، لقد كان اختلافُ الدين موجوداً؟

ثم ماذا عمن تعذرت عليها الهجرة ممن عذر اللّه في سُورة النساء، فبأي توصيفٍ يمكن تصوير علاقتها مع زوجها الكافر يومئذ؟ وقد استمر رجالٌ مع نسائهم، ونساءٌ مع رجالهن على تلك الحال بمكة إلى أن فتحها اللّه، وذلك بعد نزول آية الامتحان.

وماذا لو كانت مع زوجها في بلد لا تخشى فيه فتنة على دينها، فأسلمت، والزوج لا يصدها عن الإسلام، بل ربما رغبت في إسلامه؟

وكيف الشأن في هذه الحالة لو سبق الزوج إلى الإسلام؟ فهل يتناوله قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) أم لا؟ وقد بين سبب نزول الآية وجه ذلك، وأن العقد لم يبطل بمجرد اختلاف الدين، ولذا عمد عمر بن الخطاب وغيره إلى تطليق نساء لهم مشركات بمكة.

فأي السببين من أجله منع اللّه من إرجاع المهاجرات؟

وإذا كان الاحتمال على دلالة هذه الآية وارداً وهي أبين شيء في هذه المسألة، فإن ذلك دالٌ على أن للاجتهاد فيها مجالاً.

والقضية إذا لم يكن النص فيها من القواطع، فهو مظنة للخلاف في دلالته كما لا يخفى، وما كان كذلك فيتسع فيه مجال النظر، ولا يكون صاحب قولٍ أولى بالصواب من غيره، إلا بمقدار الظهور في استدلاله ونظره.

* المبحث الثاني أخبار السير أما في المبحث الثاني فقد تطرقت الى انه بعد الهجرة، أفادت أخبار السير: أنه لا يُعرف في المهاجرين من صحبته في هجرته زوجة كافرة، ولا مهاجرة رافقها في هجرتها زوجٌ كافر، كما لم ينقل إلينا أن أنصارياً مكثت تحته زوجة كافرة أو العكس، وعدم النقل لا يعني امتناع ذلك، كما انه لو وجد فهو على أصل استصحاب صحة النكاح وإن اختلف الدين.

والواجب اعتباره في ذلك مما وقع بعد الهجرة الحالتان التاليتان:

الأولى: حال من مكث في أرضه ولم يهاجر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من الرجال والنساء.

لقد فُرضت الهجرة على كل قادر، وعذر اللّه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فهذا الحال يحتمل أن يكون في المسلمين المستضعفين الذين عجزوا عن الهجرة، امرأة مسلمة تحت زوج كافر، أو زوج مسلم وامرأته كافرة، إذ مُكث طائفة من المؤمنين والمؤمنات في مكة لم تهاجر أمر مقطوع به، بدلالة آية النساء: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان)، ويقول تعالى في ما أنزله في شأن الفتح: (ولولا رجال مؤمنون ونساءٌُ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علم) [الفتح: 25].

وقد بحثت عن بعض صور ذلك على التعيين أن المرأة المسلمة غير المهاجرة كانت تمكث تحت زوج كافر لا تؤمر بمفارقته لخلاف الدين، فوجدت في ثابت الأخبار قصتين: قصة أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس بن عبد المطلب، ومكثت تحت العباس ولما يسلم يومئذ، والقصة الثانية: مُكث زينب ابنة النبي صلى اللّه عليه وسلم تحت زوجها أبي العاص بن الربيع، وهي مسلمة، وهو يومئذ كافر.

فهاتان القصتان دلتا على أن الذي كان العمل جارياً عليه: أن اختلاف الدين لم يكن يفرق بين المرأة وزوجها، وأنه لم تأت الشريعة بما يضاد ذلك قبل آية الممتحنة.

الحالة الثانية: قصة أبي العاص بن الربيع وزوجته زينب ابنة النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد هجرتها.

هذه القصة من أبرز مواضع الاستدلال في هذه القضية، ولا يكاد ينفك قولٌ من أقاويل أهل العلم في هذا الموضوع من التعلق بطرف منها، لذا فقد أتيت على تحريرها بتفاصيل ألفاظها وأسانيدها.

دلالة قصة زينب أما في المبحث الثالث فقد شرحت التوافق بين قصة زينب وآية الممتحنة بما حاصله: ان دلالة قصة زينب وعودتها الى زوجها في الظاهر لم تكن إلا بعد نزول آية الممتحنة، وأن عقد الزواج الجاهلي بينهما لم ينفسخ، لا بإسلامها، ولا بهجرتها، فكيف التوفيق إذاً بين هذا وبين دلالة قوله تعالى في آية الممتحنة: (فلا ترجعوهن إلى الكُفار، لا هن حلٌ لهم ولا هم يحِلُّون لهُن)؟

أما ظاهر دلالة هذه الآية، فإنها أفادت أن المؤمنة المهاجرة:

ـ لا تُرجع إلى كفار مكة المحاربين بعد أن خرجت منهم مهاجرة.

ـ لا تحل لكافر محارب، ولا يحل لها كافرٌ محاربٌ.

ـ يجوز نكاحها لمن أعطاها مهرها، وإن كان لها زوجٌ في دار الشرك، وهذا يفيد أن عقد النكاح في حق المسلمة المهاجرة مع زوج كافرٍ محاربٍ يتحول من عقدٍ لازم إلى عقد جائز، يُعطيها الحق بإبطاله، إن شاءت، بأن تنكح في دار الإسلام زوجاً غيره إذا أعطاها مهرها.

والذي وجدناه في قصة زينب ابنة النبي صلى اللّه عليه وسلم دلنا على أن لها أن تنتظر فيئة زوجها الكافر المحارب، وأن يُسلم ويهاجر فيستمر نكاحهما، وروي أن زينب خُطبت، فلم ترض بأبي العاص بديلاً، لكن ذلك لم يصح.

وتأويل الآية مع الحديث بأن يقال: إن الشريعة منعت من تمكين المحارب الكافر من المسلمة، لما فيه من الإضرار بها، وذلك بمحاربته وعدائه المعلن لدينها وأهل ملتها، إذ هو الشأن مع كفار قريش، الذين كانوا يومئذ في عهد مع المسلمين، والذي من أجله فرضت الهجرة على كل مقتدر عليها من المسلمين ممن كان بمكة.

وهذا الإضرار لا يكون في دار إسلام، تأمن المسلمة فيها على دينها، ولا تحارب فيه، ولا تفتن عنه، لما لها فيها من النصرة والتمكين.

ولم تقل الآية: إن عقد النكاح قد انقطع بين المهاجرة وزوجها الكافر المحارب، وإنما أباحت لها النكاح، فلما جاءت قصة زينب فأثبتت استمرار العقد القديم، دل على أن إباحة نكاح المهاجرة التي لها زوجٌ في أرض الشرك كان على سبيل الرخصة، وإليه يشير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن)، دفعاً للضرر عنها بالصبر على العُزوبة.

فقصة زينب قد أتت مع الآية على وفاقٍ، وعلى مثله دائماً يجب أن تُحمل السنن الثابتة.

خلاصة مذاهب الصحابة جميع المنقول في المسألة عن اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مما يتصل بها مباشرة ينتهي الى ثلاثة من اعيانهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن ابي طالب، وعبد الله بن عباس، يتلخص لنا منه ما يلي:

1 ـ اتفق مذهب اميري المؤمنين عمر وعلي على ان المرأة اذا اسلمت وهي تحت كافر غير محارب، فإنها يمكن ان تمكث تحته ان شاءت.

واستفدنا وصف (غير محارب) عن عمر، من الحالة التي جاءت بها الرواية الصحيحة عنه حيث كانت في بلاد الاسلام، ولفظها: عن عبد الله بن يزيد الخطمي، قال: أسلمت امرأة من اهل الحيرة ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب ان خيروها، فإن شاءت فارقته، وان شاءت قرت عنده.

وعن علي من اعتباره كون الزوج معاهدا، ونص الرواية عنه: اذا اسلمت النصرانية امرأة اليهودي او النصراني، كان احق ببضعها، لأن له عهدا، وفي لفظ: هو احق بها ما لم يخرجها من مصرها.

وهذا منهما متفق تماما مع ما دلت عليه آية الممتحنة، فإن الله حرم المؤمنات المهاجرات على أزواجهن الكفار المحاربين.

2 ـ اذا اراد زوجها اخراجها من دار الاسلام والتمكين، فظاهر مذهب علي ان ذلك يمنع استمرار النكاح، والشأن يومئذ: اما دار اسلام، واما دار حرب، فان خرج بها من دار الاسلام صار بها الى ارض الحرب، وتمكينه من ذلك يوقع في المحذور الذي جاءت لدفعه آية الممتحنة.

وهذا يفيد ان اعتبار الدار وارد عند الصحابة، لكن ليس على وفاق مذهب الحنفية في هذه المسألة، وانما لاجل التمكين للمسلمة او عدمه.

3 ـ اشد ما نقل في المسألة من مذاهب هؤلاء الصحابة الثلاثة هو مذهب ابن عباس، ومع ذلك فلم يكن يرى بطلان عقد النكاح بمجرد الاسلام، حتى تختار الزوجة الترك لزوجها الكافر، او يفرق فيه ذو سلطان. 4 ـ ظاهر مذهبي عمر وعلي: ان الزوجة اذا اختارت المكث مع زوجها الكافر غير المحارب، فجائز ان لا تمنعه نفسها، اذ هذا مقتضى ان يكون لها خيرة في القرار عنده في قول عمر، ومقتضى احقيته ببضعها في قول علي.

5 ـ ظاهر مذهب ابن عباس: انه لا يُمَكَّن من وطئها، لان الاسلام يعلو ولا يعلى عليه.

6 ـ ليس في قول احد من الصحابة ان مجرد اسلام احد الزوجين تبطل به الحياة الزوجية، انما يكون سببا في طلب الفسخ.

7 ـ لو سبق الزوج بالاسلام والزوجة غير كتابية، فليس فيه نقل عن اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومقتضى مذاهبهم في المرأة تسلم دون زوجها، ان الرجل اولى بأن يقر مع امرأته ما دامت مقدورا عليها.

وهذا في التحقيق ليس معارضا لقوله تعالى: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر»، لما علم من مورد هذه الآية وبيان السنن.

ثم سقت مذاهب التابعين، فمذاهب الفقهاء بعدهم مفصلة، ثم لخصت جميع مذاهب السلف والخلف في ثلاثة عشر قولا، هي كالتالي:

1 ـ يبطل عقد النكاح بينهما بمجرد اسلام احدهما قبل الآخر.

وهذا مذهب الحسن البصري في رواية، وعطاء بن ابي رباح في رواية، وعكرمة مولى ابن عباس، وقتادة السدوسي، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم، وعبد الله بن شبرمة في رواية، وابي ثور وهو رواية عن احمد بن حنبل، تبعه عليها بعض اصحابه، ومذهب ابي محمد بن حزم.

كذلك هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة اذا كانت الزوجة غير مدخول بها. وهو مذهب سفيان الثوري اذا كان الزوجان في دار الحرب خاصة.

2 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا سبق الزوج الزوجة بالاسلام، ولم تسلم معه في نفس المجلس وقد عرض عليها الاسلام، وليست كتابية. وهذا مذهب المالكية، وابن قيم الجوزية.

3 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا اسلم الزوج ولم تسلم الزوجة بعده في مدة يسيرة. وهذا مذهب بعض المالكية، كابن القاسم.

4 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا اسلم احدهما قبل الآخر، ولم يسلم الآخر منهما في عدة الزوجة.

وهذا مذهب مجاهد المكي في الرواية الصحيحة عنه، وهو رواية عن الحسن البصري، وعطاء بن ابي رباح وعمر بن عبد العزيز وعبد الله بن شبرمة. كذلك هو مذهب الاوزاعي والليث بن سعد، والمالكية في الزوجة تسلم اولا، والشافعية والحنابلة، واسحاق بن راهويه.

5 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا انتقل المسلم منهما من دار الحرب الى دار الاسلام.

وهذا مذهب الحنفية خاصة.

6 ـ يبطل عقد النكاح بينهما ساعة اسلام احدهما، وذلك اذا كانا غير كتابيين، اما اذا كانا كتابيين فيفرق بينهما، وهذا مذهب عطاء بن ابي رباح في رواية عنه، وظاهر المنقول عن طاوس ومجاهد وسعيد بن جبير في بعض الروايات.

7 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا اسلم احدهما في دار الحرب وحاضت الزوجة ثلاث حيضات ولم يسلم الآخر منهما. وهذا مذهب الحنفية خاصة.

8 ـ يبطل عقد النكاح بينهما اذا اسلم احدهما، ودعي الآخر الى الاسلام فأبى ان يسلم.

وهذا قول عمر بن عبد العزيز في رواية، والزهري من وجه ضعيف.

9 ـ لا يبطل عقد النكاح بينهما مطلقا إلا بقضاء القاضي.

وهذا مقتضى قول طاوس اليماني، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، واحدى الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وفي رواية ضعيفة عن الزهري.

هو ظاهر قول عبد الله بن عباس، كما كان يرى للزوجة المسلمة إبطاله باختيارها ترك زوجها الكافر. 10 ـ لا يبطل عقد النكاح بينهما اذا كانا جميعا في دار الاسلام الا بقضاء القاضي.

وهذا مذهب الحنفية وسفيان الثوري.

11 ـ لا يبطل عقد النكاح بينهما إلا بقضاء القاضي، او بانتهاء العدة.

وهذا مذهب الزهري في رواية.

12 ـ ينتقل عقد النكاح بينهما اذا اسلم احدهما دون الآخر الى عقد جائز، ويكون النكاح موقوفا، فإن اسلم الآخر منهما استمر النكاح، ولها ان تنكح زوجا غيره.

وهذه رواية مضعفة عن احمد بن حنبل، ومذهب داود بن علي الظاهري وشيخ الاسلام ابن تيمية. كذلك هو مذهب ابن القيم في حالة سبق الزوجة بالاسلام. 13 ـ ينتقل عقد النكاح بينهما الى عقد جائز، يبيح للزوجة مفارقة الزوج ان شاءت، كما يبيح مكثها معه.

نص قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث فبعد اطلاع المجلس على البحوث والدراسات المختلفة في توجهاتها التي تناولت الموضوع بتعميق وتفصيل في دورات ثلاث متتالية واستعراض الآراء الفقهية وادلتها مع ربطها بقواعد الفقه واصوله ومقاصد الشرع، ومع مراعاة الظروف الخاصة التي تعيشها المسلمات الجديدات في الغرب حين بقاء ازواجهن على اديانهم فإن المجلس يؤكد انه يحرم على المسلمة ان تتزوج ابتداء من غير المسلم، وعلى هذا اجماع الامة سلفا وخلفا، اما اذا كان الزواج قبل اسلامها فقد قرر المجلس في ذلك ما يلي:

اولا: اذا اسلم الزوجان معا ولم تكن الزوجة ممن يحرم عليه الزواج بها ابتداء (كالمحرمة عليه حرمة مؤبدة بنسب او رضاع) فهما على نكاحهما.

ثانيا: اذا اسلم الزوج وحده، ولم يكن بينهما سبب من اسباب التحريم وكانت الزوجة من اهل الكتاب فهما على نكاحهما.

ثالثا: اذا اسلمت الزوجة وبقي الزوج على دينه فيرى المجلس:

أ ـ ان كان اسلامها قبل الدخول بها فتجب الفرقة حالا.

ب ـ ان كان اسلامها بعد الدخول واسلم الزوج قبل انقضاء عدتها، فهما على نكاحهما.

ج ـ ان كان اسلامها بعد الدخول، وانقضت العدة، فلها ان تنتظر اسلامه ولو طالت المدة، فإن اسلم فهما على نكاحهما الاول من دون حاجة الى تجديد له.

د ـ اذا اختارت الزوجة نكاح غير زوجها بعد انقضاء العدة فيلزمها طلب فسخ النكاح عن طريق القضاء.

رابعا: لا يجوز للزوجة عند المذاهب الاربعة بعد انقضاء عدتها البقاء عند زوجها، او تمكينه من نفسها. ويرى بعض العلماء انه يجوز لها ان تمكث مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية اذا كان لا يضيرها في دينها وتطمع في اسلامه، وذلك لعدم تنفير النساء من الدخول في الاسلام اذا علمن انهن سيفارقن ازواجهن ويتركن اسرهن، ويستندون في ذلك الى قضاء امير المؤمنين عمر بن الخطاب في تخيير المرأة في الحيرة التي اسلمت ولم يسلم زوجها: «ان شاءت فارقته وان شاءت قرت عنده». وهي رواية ثابتة عن يزيد بن عبد الله الخطمي. كما يستندون الى رأي امير المؤمنين علي بن ابي طالب اذا اسلمت النصرانية امرأة اليهودي او النصراني كان احق ببضعها لأن له عهدا، وهي ايضا رواية ثابتة. وثبت مثل هذا القول عن ابراهيم النخعي والشعبي وحماد بن ابي سليمان.

جريدة الشرق الأوسط – 5 أغسطس 2001

Print Friendly
This entry was posted in إسلاميات and tagged , , , . Bookmark the permalink.