الانتقال إلى العالم الآخر والأصل المصرى

طلعت رضوانطلعت رضوان

يعتقد كثيرون أنّ الصورة الخيالية لعالم ما بعد الموت فى الإبداع ، اقتصرتْ على (رسالة الغفران) للشاعر إبى العلاء المعرى و(الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالى دانتى . بينما البداية كانت من مصرالقديمة، فى البردية التى تحكى انتقال (آنى) إلى العالم الآخر. وهى البردية التى أخذتْ عنوانـًا خاطئـًا (كتاب الموتى) بينما الترجمة الدقيقة عن اللغة المصرية القديمة (الخروج إلى النهار) وعرض البردية40سم وطولها ثلاثون مترًا ومحفوظة فى المتحف البريطانى .
يحكى (آنى) أنه مات وسافر إلى العالم الآخر. ووصف رحلة الروح منذ فارقتْ جسده . وأنه مرّ بسبع سماوات وصفها بالتفصيل . ثم وصف إجراءات المحاكمة والملكيْن اللذيْن يُسجلان الحسنات والسيئات. ثم ينتقل من المحكمة إلى حقول اليارو (الجنة) والمكوّنة من سبع طبقات تبدأ (بجنة الأبرار) ثم (جنة شهداء العقيدة) و(جنة المُرسلين) و(جنة الملائكة) وأخيرًا (جنة النور) وفيها نهرًا من خمر ونهرًا من لبن ينزل من ثدى (نوت) إلهة السماء ونهرًا من عسل. وأنّ الحقول بها ((القمح الذى سنابله من ذهب)) وأنّ الملابس لا تتسخ والشباب دائم لا يعرف المرض. ويرى علماء علم المصريات أنّ تلك البردية جمعتْ بين الفلسفة والأخلاق ، ورسمتْ صورة للحياة بعد الموت.
أما صورة الجحيم فهى مختلفة عن صورته فى أغلب ثقافات الشعوب الأخرى وكذلك مختلفة عن صورته فى (رسالة الغفران) وفى (الكوميديا الإلهية) إذْ أنّ مصير المذنب (الذى ارتكب بعض المعاصى على الأرض) أنْ يلتهمه (عم – موت) أى الوحش الذى يلتهم قلوب الأشرار. أما مصير الإنسان الذى لم يرتكب الآثام فيدخل حقول اليارو (الجنة) وكتب العالم الكبير(برستد) أنّ الذى خلص تلك البردية من وصمة أنها كتاب سحرى ((تقديرها الظاهر لمسئولية الضمير)) (فجرالضمير- ترجمة سليم حسن- أكثرمن طبعة- ص 289) أما عالم المصريات محسن لطفى السيد فكتب فى تفسيره لعبارة ((أنا الأمس وأعلم علم الغد)) الواردة فى تلك البردية أنّ ((الأمس هو أوزير. والغد هو الإله أتوم (رع) وهكذا يُشير أوزير إلى الزمان الماضى أما (رع) فهو المستقبل ، وما الماضى والمستقبل إلاّ جزءان لا غنى عنهما كى تتم حركته الأبدية)) (كتاب ما هو كائن فى العالم الآخر- طبعة على نفقة المؤلف – ص 9) وذكر أيضًا أنه لا يوجد متحف فى العالم للمصريات يخلو من البردية التى دّون فيها نص كتاب (الخروج إلى النهار)
فى الفصول الأولى نتعرّف على المحكمة التى ستـُحاكم روح المرحوم (آنى) ويرأس المحكمة الإله أوزير. وأعضاء المحكمة 42قاضيًا يُمثلون محافظات مصر القديمة. يقف المرحوم آنى (كل متوفى فى مصر القديمة كان يُطلق عليه أوزير أى المرحوم) أمام القضاة مُرتلا ((يا قلب أمى لا تقف ضدى شاهدًا . لا تفترى علىّ كذبًا أمام الإله)) وفى الختام يقول الإله تحوتى ((إنّ أفعاله وُجدتْ صالحة فى الميزان العظيم. الأوزير آنى لم يرتكب إثمًا ولم يصنع شرًا. إنّ عم – موت لن يكون له سلطة عليه)) والميزان فى قاعة المحكمة فى إحدى كفتيه ريشة ماعت أو (ماعاط فى بعض الترجمات ومنها الاسم المصرى معاطى) (إلهة العدالة) وفى الأخرى قلب المتوفى . والمعنى الرمزى هنا أنْ يكون القلب خفيف الوزن مثل الريشة لم تثقله الخطايا. ورمز آخر هو أنّ القلب والريشة متساويان . وفى الفصول الأخيرة تدخل الروح حقول اليارو (الجنة) ونرى آنى وهو يقود زوجًا من الثيران ويحصد ثمار القمح ويقول ((أريد أنْ أكون قويًا عساى أنْ أحرث هناك وأصنع كل شىء كنتُ أصنعه على الأرض)) (ترجمة المرحوم محسن لطفى السيد عن النص الهيروغليفى كما ترجمه إلى اللغة الإنجليزية أيضًا) والمعنى أنّ الحياة فى حقول اليارو (الجنة) صورة طبق الأصل من حياة المصرى على الأرض ، حياة تعتمد على العمل وبصفة خاصة الزراعة التى مهّدتْ لنشأة الحضارة. وهنا نلاحظ أنّ صورة الجنة عند جدودنا مختلفة تمامًا عن صورة الجنة فى تراث شعوب أخرى حيث تصور الذين دخلوا الجنة وهم يأكلون ويشربون ويتمتعون بحور العيون والغلمان المخلدين وبدون أى عمل ، كما أنّ صورة الجنة المصرية لم يرد لها أى شبه فى (رسالة الغفران) أوفى فردوس دانتى .
وتصل الفلسفة فى البردية إلى معنى إنسانى عميق ، إذْ عندما يسأل آنى عن المتع الجنسية يرد عليه الإله آتوم ((إنك سوف تحيا بسلام . لقد أعطيتك التجليات بدلا من الماء والمتع الجنسية. وهذا القلب عوضًا عن الخبز والحنكت (= البيرة وهى المشروب الشعبى فى مصر القديمة) والمعنى هنا أنّ المتع فى الجنة المصرية روحية وليستْ مادية. وفى الفصل 125يُرتل المرحوم آنى الاعترافات الانكارية وعددها 42 اعترافــًا ، ويتضح منها حرص المصرى على نبذ رذيلة الكذب التى تمقتها الشعوب المتحضرة فى عصرنا الحالى وتعتبرها من الكبائر، وذلك بعد آلاف السنين من كتابة بردية آنى الذى يقول لإله أبيدوس ((التحيات لك يا من تمقت الكذب)) وأكثر من ذلك نجد فى اللوحة العاشرة نصًا بالغ الأهمية (لم أعثر على مثيل له- وفق قراءاتى- فى كل الشرائع والفلسفات) إذْ أنه يُساوى بين رذيلة الكذب وفضلات الكائن الحى ، ووفق نص البردية فإنّ ((الآلهة المصرية تمقت الكذب والبراز)) كما أنّ البردية تـُدين رذيلة أخرى وهى جريمة التلصص على الآخرين فيقول آنى ((أنا لم أسترق السمع)) وتشمل الاعترافات تجريم الاعتداء على حقوق الغير، وتجريم الزنا والسرقة وعدم الاعتداء على مياه النيل خشية تلوثها إلخ.
وخيال كاتب البردية يتضح من فكرة الصعود إلى السماء بواسطة (سلم) مُتخيّل صنعه الإلهان (رع) و(حورس) وفى رصده لظاهرة الشروق والغروب ، فإنّ (رع) يُغرب فى صورة (أوزير) وأوزير يُشرق فى صورة رع ، ثم أصبح أوزير هو الأمس ورع هو الغد. كما أبدع مركبًا للصباح رمزًا للخلود ومركبًا للمساء رمزًا للأبدية وهما وجهان لشىء واحد هو الخالق السرمدى. وفى اللوحة رقم 16 نجد المرحوم آنى يركع فى بركة ماء نبتتْ فيها شجرة جميز مورقة وداخل فروعها نرى إلهة السماء (نوت) وهى تصب الماء على كفتىْ المرحوم آنى . أى أنّ خيال كاتب البردية (أنسن) الإلهة (نوت) فى حركة صب الماء وأضفى عليها صفات الرحمة والمودة بالصورة وليس بالكلمات ، كما أنّ هذه (الأنسنة) الرحيمة للآلهة تكررّت كثيرًا فى البرديات العديدة وهو ما انفردتْ به الميثولوجيا المصرية. ومن الخيال البديع أيضًا تحول المرحوم آنى إلى طائر يُحوّم حول قريته ليرى منزله ويُشاهد أهله. ويبدو أنه اشتاق لرؤية زوجته (توتو) التى نراها فى اللوحة رقم34وهى تحمل باقة طويلة من أزهار اللوتس . وفى اللوحة رقم 28نرى رأسًا لإنسان يخرج من زهرة اللوتس ، وهو رسم رمزى لبزوغ الشمس يوميًا وفق عقيدة منف وتـُسمى (نفرتوم) أى الحُسن التام أو الجمال المُكتمل وفق الترجمة عن الهيروغليفية. والرسم يرمز إلى ضمان بعث المتوفى وأنه يستطيع أنْ يتحوّل إلى زهرة لوتس . والخيال يرسم صورة بديعة للإله الذى يرى كل شىء فى الوجود ، إذْ أنّ ((وجهه فى قفاه)) وتشير البردية إلى أنّ جدودنا عرفوا تقسيم العمل والنظام الحسابى والأعداد الكبيرة مثل الحديث عن ملايين السنين .
إنّ بردية (الخروج إلى النهار) سبقتْ (رسالة الغفران) و(الكوميديا الإلهية) بآلاف السنين ، وأشارتْ إلى أنّ موت الإنسان ماهو إلاّ موت الجسد أما الروح الطاهرة التى لم تركتب الآثام فسوف تعيش فى حقول اليارو. وأنّ الروح تنتقل من حياة إلى حياة شبيهة بالحياة فى الحقول المصرية على الأرض. وهذا الخيال ينفى افتراءات أعداء الحضارة المصرية الذين يزعمون أنها (حضارة موت) وعن العلاقة الجدلية بين الحياة والموت ذكر عالم المصريات الكبير سليم حسن أنّ اللغة المصرية القديمة لم تعرف لفظة (الموت) وكان المصرى يستخدم للتعبير عنها لفظة (الغرب) وكان ((الغرب عند قدماء المصريين مكان الخلود والشرق مكان الولادة)) وأنّ العلاقة بين الحياة والموت استمدّها من ظاهرة شروق الشمس ثم غروبها ثم شروقها من جديد، ومن ظاهرة تجدد الفيضان كل عام . وعن تلك العلاقة الجدلية بين الحياة والموت قال الأديب الكبير (أندريه مالرو) وزير الثقافة الفرنسية عندما زار مصر((إنّ ما بحثتْ عنه مصر فى الموت ، هو (تحديدًا) القضاء على الموت.. إننى باسم فرنسا أشكر مصر التى كانت أول من ابتكر الخلود))

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged . Bookmark the permalink.