لماذا ضد الديموقراطية

بقلم: ايمن عبد الرسول

الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم هي اشتِراك الشعب في حكم نفسه، وعادة ما يكون ذلك عبر حكم الأغلبية عن طريق نظام للتصويت والتمثيل النيابي، ولكن بالحديث عن المجتمع الحر فإن الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه بصورة منفردة من خلال حق الملكية الخاصة والحقوق والواجبات المدنية (الحريات والمسؤوليات الفردية) وهو ما يعني توسيع مفهوم توزيع السلطات من القمة إلى الأفراد المواطنين، والسيادة بالفعل في المجتمع الحر هي للشعب ومنه تنتقل إلى الحكومة وليس العكس.

لأن مصطلح الديمقراطية يستخدم لوصف أشكال الحكم والمجتمع الحر بالتناوب، فغالبًا ما يُساء فهمه لأن المرء يتوقع عادة أن تعطيه زخارف حكم الأغلبية كل مزايا المجتمع الحر، إذ في الوقت الذي يمكن فيه أن يكون للمجتمع الديمقراطي حكومة ديمقراطية فإن وجود حكومة ديمقراطية لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمقراطي. لقد اكتسب مصطلح الديمقراطية إيحاءً إيجابيًّا جدًّا خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد دفع بالحكام الدكتاتوريين الشموليين للتشدق بدعم “الديمقراطية” وإجراء انتخابات معروفة النتائج سلفًا.


وكل حكومات العالم تقريبًا تدَّعي الديمقراطية، كما أن معظم الأيديولوجيات السياسية المعاصرة اشتملت ولو على دعم بالاسم لنوع من أنواع الديمقراطية بغض النظر عما تنادي به تلك الأيديولوجيات، وهكذا فإن هناك اختلافات مهمة بين عدة أنواع مهمة من الديمقراطية”.

ونأتي للنموذج المصري، ونتساءل في جدية: هل نحن مؤهلون للديمقراطية؟! ولن أستبق إلى الإجابة التي يعرف أغلبكم محتواها لدى صديقكم، الذي يرفض الديمقراطية لأنها حكم الأغلبية، وحكم الأغلبية فلسفيًّا، حكم وهمي، واسمحوا لي بضرب الأمثلة، فالحشد كما علمتني الفلسفة الوجودية يتكون من أفراد يبدون في الرؤية الكلية بالطائرة، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، لذلك فالحشد وهم، والإجماع على شيء واحد أيضًا أسطورة، وتعالَ معي بعيدًا عن الفلسفة، نناقش تكفير أغلب الإسلاميين لفكرة الديمقراطية، فهم يخافون أن تتفق الأغلبية على مخالفة للشريعة الإسلامية مثلاً، رغم تشدقهم في الوقت ذاته بمقولة تنسب للنبي محمد نصها: “لا تجتمع أمتي على باطل”، ويرفض أغلبهم الديمقراطية لأنها تمثل رأي الشعب، والشعب في الديمقراطية النظرية هو مصدر السلطات، ويقولون إن الدين هو مصدر السلطات، دون تفهم حقيقة أنه لا دين دون متدينين، ولأنهم يشكِّكون في نديين أغلبية مواطنيهم المسلمين، يرفضون الديمقراطية، ويختلفون على كونها الشورى أو غيرها من أشكال المشاركة في صناعة القرار السياسي، ويفضلون في أدبياتهم مصطلح “أهل الحل والعقد” أي ممثلي الشعب، ويقربونها من الديمقراطية النيابية، أو البرلمانية، ولكنهم في النهاية مختلفون على ما إذا كانت الشورى ملزمة للحاكم أم لا؟!

هل يرفض صديقكم الديمقراطية من مرجعية إسلامية؟! بالطبع لأ.. ولكنني أعرض عليكم مبررات طائفة تدعي الآن الدفاع عن الديمقراطية، والاحتكام إلى رأي الأغلبية، والديمقراطية ليست فقط صندوق الانتخابات، ولا تخص الحريات الفردية، فيقف مولانا جون ستيوارت ميل (ولد في لندن عام 1806 م- توفي عام 1873م) ضد الديمقراطية متحصنًا بالحرية الفردية، ويرفض الخضوع لحكم الأغلبية بمقولة مبدعة نصها: “لو أن إجماع البشرية انعقد على رأي، وخالفهم في هذا الرأي شخص واحد، ما كان حقهم في إسكات هذا الرأي، بأكثر من حقه، لو تمكنت له القوة لذلك”!

وبالنسبة للنموذج المصري في الديمقراطية، الممارسة وليست الشعارات، فالحقيقة مفزعة لسببين وربما أكثر، أولهما حالة اليقين المستفزة التي تصاحب كل صاحب رأي، أو تيار، وتحويل الديمقراطية من آلية سياسية لممارسة العملية السياسية، إلى سلاح إقصائي موجَّه ضد المختلف مع اليقين، هذا اليقين الذي يصاحب الثورات غالبًا يذكرني بديكتاتورية البروليتاريا في الدول الشيوعية، والتي تنتج مع الزمان ظاهرة مراكز القوى أو القطط السمان التي عرفتها دولة الاتحاد السوفييتي في أعقاب الحكم الشيوعي!

وثانيهما، ممارسة النيابة عن الشعب دون توكيل، متوهمين بالحشود الثورية، وغافلين عن حشود أخرى مناوئة للثورة، بمعنى وصم كل من يحاول تفهم الأهداف والمطالب المشروع أو حتى يختلف حول مشروعيتها، وهي الحالة التي تعرف ثقافيًّا وسياسيًّا بالمكارثية (بالإنجليزية: McCarthyism‏) هي الممارسة التي تقوم على اتهام الناس بوجود صلة تربطهم بالمنظمات الشيوعية دون إثباتات كافية تدعم الادعاء، وقد دعيَت باسم جوزيف مكارثي (1908 – 1967) وهو سناتور جمهوري عن ولاية وِسْكونْسِن الأميركية.

ادَّعى مكارثي عام 1950، في أوج الحرب الباردة أن 205 أشخاص من موظفي وزارة الخارجية الأميركية هم من المتعاطفين مع الشيوعية وأن 57 آخرين أعضاء في الحزب الشيوعي، تبعت هذا الإعلان حملة هدفها إضعاف الثقة في أعضاء بارزين في الحزب الديمقراطي ومنهم شخصيات محترمة جدًّا مثل دين أكسون وجورج مارشال.

وعندما أصبح رئيسًا “للجنة الفرعية الدائمة للتحقيق” (1953) تكثَّفت هجماته فوجَّه اتهامات بحق وزير الحربية، روبرت ستيفنز، والعديد من المثقفين والرسميين، أدَّت نشاطاته إلى خلق “لوائح سوداء” وتم القضاء على الحياة المهنية للعديد من الناس. أخيرًا، وبعد أن دان مجلس الشيوخ نشاطاته في 1954، هاجم مكارثي الرئيس أيزنهاور ولكن عندها كانت قد ضعفت الثقة بحملته.

هذه الحالة تنتقل ببساطة إلى مصر الآن بمحتوى يناسب المرحلة، وجربناها مع حركة الضباط الأحرار من خلال “محكمة الشعب” التي أنشئت في 1 نوفمبر 1954 لمحاكم أعداء الثورة، ومحكمة الثورة أيضًا، وغيرها من المسميات التي وضعت كل من يعارض نظام الضباط الأحرار تحت طائلة الخيانة، ولا شعب كان هناك ولا محكمة!

الديمقراطية رائعة جدًّا لشعوب تربَّت على الحريات العامة والخاصة، تعرف التفريق بدقة بين ما يهمها وما يخصها، وتعرف تمامًا أيضًا ماذا تريد ومن يمثلها في البرلمان، أما الشعوب التي يبيع مواطنيها فيها أصواتهم لمن يدفع أكثر، أو من يخدمهم ويحقق لهم مكاسب فردية، كيف يمكنهم التفاعل مع الديمقراطية؟ وكيف يتحكمون وهم ما زالوا يحبُون نحو الحرية، ولا يفرقون بينها وبين الديمقراطية في مستقبل بلادهم، لا أقول إننا غير مؤهلين لممارسة ديمقراطية، ولا أخاف من وهم حكم الإسلاميين، رغم أن تجربة الجزائر أكتوبر 1988 أو الترابي في 1983 تؤيد مخاوفي، فالشعب المصري لو خُيِّر بين الحكم الإسلامي والحكم العلماني سيختار أغلبيته الحكم باسم الله، لأن الحكم العلماني يتم اللعب به ووصم كل تاريخنا الجمهوري من 1952 إلى الآن بأنه حكم علماني فاسد.. الديمقراطية لا تستقيم مع أمية سياسية، وكتابية ولو كان السبب فيها أنظمة فاسدة، ودعوني أتذكر نصيحة الرئيس الراحل أنور السادات لمجلس قيادة الثورة، بعدم العمل بنظام ديمقراطي، وتبني النموذج الأتاتوركي، الديكتاتوري، وهي النصيحة التي سجلها بفخر في كتابه “البحث عن الذات” بعد فشل تجربة الديمقراطية الناصرية وتحولها إلى ديكتاتورية مقنَّعة!!

هل معنى ذلك أنني ضد تطبيق الديمقراطية الآن في مصر، الحقيقة أنني رغم وقوفي في منطقة الحريات الفردية ضد حرية المجموع في الطغيان عليها، أقول إنني مع ديمقراطية التمثيل النسبي، أو الليبرالية، التي تضمن حقوق الأقليات، ومنهم الأقباط والبهائيون وغير المؤمنين بدين، ولكنهم شركاء في دولة واحدة يفترض فيها حماية الأقليات المختلفة مع الأغلبية العددية بأي شكل!

وإذا كنا قد قمنا بالثورة من أجل الديمقراطية، فعلى الثورة اختيار الشكل المناسب لتطورها السياسي الذي أمامه أكثر من خمس سنوات لتحديد مساراتها، ولي ملاحظة ختامية على بعض مظاهر الديمقراطية، ففي لقاء شباب من ثورة 25 يناير في الأسبوع الماضي، مع المجلس العسكري الأعلى في مصر، سألهم أحد أعضاء المجلس عمَّا إذا كانت مصر مؤهلة للديمقراطية في الوقت الراهن، فأجمعوا على أن لا.. غير مؤهلة، وهي إجابة أمينة وواقعية جدًّا.. لكنهم لم يقولوا لنا ما البديل؟!

وأعتقد أنهم سيوافقونني في أنه الديمقراطية النيابية، ولكن بعد أن يتعلم الشعب المصري درس الديمقراطية، وأن يتخلى عن يقين أنه على صواب دائم، ويتزحزح ناحية قبول الآخر، قبل إقصائه باسم الديمقراطية، التي أنا ضدها وضد نتائجها مع العديد من الشعوب غير المؤهلة لها، ومنهم شعبنا العظيم، الذي كان يؤله حاكمه في مصر القديمة، حتى إن الإسكندر المقدوني عندما فتح زيوس عليه مصر، بنى لنفسه معبدًا، وأمر الناس بالسجود له.. وحتى لا نتخلص من فرعون واحد، بحسب اصطلاح الإسلاميين، ونستبدل به مليون خليفة مسلم، أو فراعين جددًا لا حصر لهم ولا عدد!

في النهاية أقول: “تُعد الفكرة حينًا ما، كافرة، تُحرم وتُحارب، ثم تصبح مع الزمان مذهبًا، بل عقيدة وإصلاحًا تخطو به البشرية خطوة إلى الأمام” مولاي وشيخي أمين الخولي

وختامًا: أكثر ما يقلقني.. الاستقرار على شواطئ اليقين.. دون خوض بحار الشك

Print Friendly
This entry was posted in ايمن عبد الرسول and tagged . Bookmark the permalink.