مؤامرة إنجليزية إيطالية لسرقة واحة مصرية

طلعت رضوانطلعت رضوان

تتلخص المؤامرة فى انتزاع 40 ألف ميل من أرض مصر لصالح إيطاليا التى احتلتْ ليبيا عام1911. أخذتْ إيطاليا تـُمهّد لنشر نفوذها فى ليبيا ففتحتْ المدارس الايطالية المجانية فى ليبيا. وبعد الاحتلال أصرّتْ على ضم واحة جغبوب المصرية إلى ليبيا (أى إلى إيطاليا التى تصوّرتْ أنّ احتلالها لليبيا سيدوم إلى الأبد) وتم ذلك بالتواطؤ  مع الاستعمار البريطانى رغم أنّ القائم بالأعمال الإنجليزى فى تركيا أرسل مذكرة إلى الحكومة العثمانية بناءً على اقتراح كرومر قال فيها ((مما لاجدال فيه أنّ حدود مصر الغربية تبدأ من رأس جبل السلوم ثم تتجه إلى الجنوب والجنوب الغربى لتضم سيوه  وجغبوب، وحتى الآن لا توجد نقطة لتركيا قرب الحدود المصرية إلاّ ميناء طبرق على بُعد نحو60ميلا غرب السلوم)) وهوالأمرالذى أكده السفير البريطانى فى مصرفى مذكرة برقم 896. هذا الموضوع الخطيرإهتم به المرحوم أ. محسن محمد فأصدرعنه كتابه المهم (سرقة واحة مصرية) مؤسسة أخباراليوم عام 1980

قى 24يوليو1911أعلن وكيل وزارة الخارجية الإيطالية بمجلس النواب فى روما أنّ واحة جغبوب تنتمى إلى ليبيا وكان ذلك قبل 4شهورمن الغزوالإيطالى لليبيا. والتزم الإنجليزالصمت. بينما محمد على عيّن حاكمًا مصريًا على واحة جغبوب وفرض الضرائب لأنها جزء من أرض مصر. وفى الخريطة المحفوظة بالمتحف البريطانى توجد جغبوب كجزء من أرض مصر. وهذه الخريطة وُضعتْ بين عامىْ 1770، 1860. وتم تلوين جغبوب باللون المصرى فى جميع الخرائط الجغرافية. وجغبوب واحة شمال غرب سيوه تبعد عنها بنحو125كم وباعتراف محمد إدريس السنوسى فإنّ الخديوإسماعيل أنشأ طواحين لطحن الحبوب وأرسل مهندسين مصريين لتدريب أتباع السنوسى على استعمال هذه الطواحين.

فى 27سبتمبر1911وجّهتْ إيطاليا إنذارًا إلى تركيا أعلنتْ فيه أنها قرّرتْ إحتلال ليبيا . استسلمتْ تركيا ووقعتْ معاهدة أوشى (لوزان) للصلح مع إيطاليا فى أكتوبر1912. قامتْ الحرب العالمية الأولى عام 1914وتطلعتْ بريطانيا لإيطاليا والدورالذى ستلعبه فى الحرب ، نظرًا لأنّ إيطاليا ظلتْ حليفة لألمانيا والنمسا 30سنة. وأنّ دخول إيطاليا فى الحرب لصالح هاتيْن الدولتيْن ضد بريطانيا وفرنسا سيؤدى إلى تغييرميزان القوى فى الحرب. لذا بدأتْ بريطانيا جذب إيطاليا لصفها. وكان لابد من تقديم الوعود لإيطاليا لإغرائها. وفى 25مايو1916أوفد المعتمد البريطانى الكولونيل تالبوت إلى ليبيا للتفاوض مع السنوسيين واستمرتْ المفاوضات حتى إبريل 1917ونصّتْ المادة الرابعة من الاتفاق على أنْ يتولى السنوسى إدارة واحة جغبوب المصرية على ألاّ يُسمح للسنوسيين أنْ يقيموا فى سيوة أوجغبوب. وفى 30مايو1919كتب اللورد ملنر مذكرة قال فيها ((فيما يتعلق ببريطانيا فقد وافقتْ على إعطاء إيطاليا كل ما تريده فى ليبيا (محفوظة بدارالوثائق البريطانية) أى تعديل الحدود المصرية الليبية- على حساب مصر.

اعترف السنوسى فى إبريل1917بأنّ جغبوب جزء من مصر. وفى مذكرة لوزارة الحربية البريطانية فى 28مارس1917جاء بها ((إنّ بقاء جغبوب داخل الحدود المصرية من الناحية الاستراتيجية يعتبر ذا أهمية كبيرة)) وفى مذكرة فى 19يونيو1919من رئاسة أركان القوات البريطانية فى مصر جاء بها يدخل قطاع (ك) غرب السلوم ضمن حدود مصر لإعطاء عمق للدفاع عن السلوم. وعلى أنْ تدخل واحد جغبوب والآبارالواقعة إلى الغرب ضمن الحدود المصرية، فهذا هوأفضل موقع لمواجهة أى تحرك ضد سيوه من الغرب)) رغم ذلك فإنّ بريطانيا غيّرتْ موقفها ، وكان الثمن الذى طلبته مقابل التنازل عن أرض مصرية هو أنْ تعترف إيطاليا بالحماية البريطانية على مصر، فأرسل السفيرالإيطالى فى لندن إلى وزارة الخارجية البريطانية يوم 16أكتوبر19رسالة جاء بها أنّ الحكومة الإيطالية مستعدة للاعتراف بالحماية البريطانية على مصر. وكان من ضمن ضغوط إيطاليا على بريطانيا إعلان إيطاليا أنها تـُشجّع الثورة فى مصر. وفى 9إبريل 21أصبح الاتفاق على سرقة الواحة المصرية ملزمًا لمصر. وبعد أنْ اشتدّتْ الثورة الليبية ضد الاحتلال الإيطالى أعلن الجنرال فاكللى الإيطالى أنّ ((جغبوب لازمة لإيطاليا فى حكم ليبيا)) وفى أغسطس 24أبلغ وزير إيطاليا المفوض وزارة الخارجية المصرية بأنّ حكومته علمتْ أنّ جغبوب تـُستعمل كقاعدة لتموين الثوار. وطلب من مصر منع ذلك. وهذا اعتراف صريح بأنّ الواحة مصرية.

شنتْ الصحف المصرية حملة ضد إيطاليا فقدّم الوزيرالإيطالى المفوض احتجاجًا إلى وزارة الخارجية المصرية. ولكنه قال ((ليس فى نية إيطاليا إحتلال جغبوب)) ونظرًا لأنّ الحكومة المصرية لم تتخذ موقفا مبدئيًا ضد رغبة إيطاليا فى إحتلال جغبوب، فإن صحيفة السياسة هاجمت الحكومة المصرية على موقفها المُتخاذل. وقال موسولينى أنه ((إذا فشلتْ إيطاليا فى الحصول على موافقة مصر على إتفاقية ملنر فإنها ستحتل جغبوب بالقوة)) ودخلتْ الصحافة الإيطالية المعركة ضد الصحافة المصرية. فكتبتْ معظم الصحف المصرية أنّ ((الأهالى أعربوا عن رغبتهم فى أنْ يكونوا تحت سلطة الحكومة المصرية وطلبوا إرسال جنود مصريين إلى جغبوب)) وشنتْ صحيفة الأخبار وصحيفة الحزب الوطنى هجومًا حادًا على إيطاليا وكتبتْ صحيفة البلاغ أنّ جغبوب مصرية ولايجوزالتنازل عنها. ونشرتْ صحيفة السياسة مذكرتىْ مصروإيطاليا عن الرسائل السرية المُتبادلة وهاجمتْ المسئولين المصريين. أدى دور الصحافة المصرية إلى أنْ صرّح زيورباشا أنّ الملك فؤاد ((يعترض على التخلى عن جغبوب)) ومع ذلك فإنّ زيور تراجع وأعلن عن حل مؤقت وهو إقامة منطقة عازلة مؤقتة منزوعة السلاح حول جغبوب لاتدخلها قوات البلديْن. رفضتْ إيطاليا الاقتراح وتوغلتْ قواتها داخل حدود مصر. فعادتْ الصحف المصرية تشن الهجوم على الحكومة وكتبتْ صحيفة البلاغ الوفدية ((نريد أنْ نعرف ماذا تصنع الوزارة فى الاعتداء على الأراضى المصرية. إنّ السلوم وجغبوب أرض مصرية مثل القاهرة والاسكندرية. ولن نقبل أى اعتداء عليهما)) ومن الأصوات الإنجليزية المحترمة الضابط بيلى بك محافظ الصحراء الغربية الذى قال ((جغبوب هى مفتاح الدفاع عن مصرعن طريق سيوه فهى آخرمركزللتزود بالمياه. ومن العبث أنْ نقول أنه إذا صمدت السلوم فلن تجرؤ أية قوة على غزو مصرعن طريق جغبوب أوسيوه. إنّ مصرلن تستطيع الاحتفاظ بالسلوم وحدها لأنه يمكن لقارب واحد أنْ يُمزق دفاعات السلوم إربًا)) وهونفس موقف الكابتن البريطانى ديكسون جونسون الذى ألقى خطابًا فى جمعية الشرق الأدنى أيّد فيه حق مصر فى جغبوب. وكتب أريك فيليبس السفيرالبريطانى فى باريس إلى وزارة الخارجية البريطانية عن أسباب تردد إسماعيل صدقى فى الموافقة على طلب إيطاليا أنه ((يخشى أنْ يكون المسئول عن التفاوض الذى من شأنه أنْ تضيع من مصر واحة جغبوب التى تضم مقبرة لأحد الفراعنة العظام)) وذكرأ. محسن محمد أنّ صدقى باشا كان معارضًا بعناد بخصوص الاستيلاء على جغبوب. وأنّ الملك فؤاد رفض أنْ يُستدرج إلى ما يعتبره مسئولية غيرشعبية. وتمثلتْ الكارثة فى بعض السياسيين فى حكومة زيور الذين وافقوا على منح الواحة لإيطاليا، رغم المعارضة القومية من كافة القوى الوطنية. وبناءً على التواطؤ البريطانى الإيطالى تنازلتْ بريطانيا عن مثلث فى أراضى السودان ومصرعرف باسم (معطن ساره) فأخذت إيطاليا هضبة السلوم والبردية وسيدى هارون وواحات ملفا وأركنر ونصف العوينات وجغبوب، أى مساحة 40ألف ميل من مصر، و50ألف ميل من السودان.

فإذا كان هذا هو شأن الاستعمار، فلماذا لم يصمد السياسيون المصريون وينضموا للقوى الوطنية التى تحدّت الإستعمارالإنجليزى الذى نفذ الطلب الإيطالى على حساب مصر؟ لقد ألقى واصف غالى باشا فى مؤتمرالصلح فى باريس خطابًا أكد فيه على حق مصرفى جعبوب والسلوم وباقى الواحات. إنّ لعنة السياسة تؤكد على أنّ السياسى الذى يهتم بالمنصب يفوزبكرسى السلطة ولكنه يفقد شرف الوطنية. وإذا كان الإسلاميون فى ليبيا ومصرعلى قمة السلطة فهل يقبلوا بحث الواحة المسروقة، وعودة الحق لأصحابه، أم سيرفضون إقتراحى ليستمر الوضع على ما هو عليه كما أراد الإستعماريون الغربيون؟

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان. Bookmark the permalink.