من قتل الترجمة في الإسلام؟

جورج طرابيشي  bukhary

 تبدو مصائر الترجمة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية معاكسة لمصائرها في الثقافة العربية الحديثة/ لا في ساعة الممات فحسب، بل كذلك في ساعة الميلاد.

 فعلى حين أن اعتبارات أيديولوجية خالصة ـ ومتضخمة أحياناً ـ كانت وراء مولد حركة الترجمة وتطورها في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، فإن اعتبارات عملية حصرية كانت وراء مولد حركة الترجمة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية.

 فأول مترجم في الإسلام كان زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي الذي تقول المراجع التاريخية إنه كان «يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وكان يترجم للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية: تعلَّم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن»(1).

 وكانت أول حركة ترجمة في الإسلام حركة نقل الدواوين وتعريبها في القرن الأول في عهد بني أمية، وبمبادرة من الحجاج بالنسبة إلى الديوان المكتوب بالفارسية، ومن هشام بن عبد الملك بالنسبة إلى الديوان المكتوب بالرومية(2).

وكان أول من أمر بالترجمة من أُمراء الإسلام خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بـ «حكيم آل مروان». وعلى ما يفيدنا ابن النديم، فقد كان «فاضلاً في نفسه، وله همّة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر، وقد تفصّح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربية، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة»(3).

ويبدو أن أول كتاب ترجم في الإسلام كان «الخلاصة الطبية» (الكناش بالسريانية) الذي وضعه طبيب إسكندراني من القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح يدعى أهرن القس. وكان هذا الكتاب قد اكتسب في أوساط السريان شهرة واسعة. وقد تولى نقله إلى العربية في عهد عبد الملك بن مروان بن الحكم الطبيب اليهودي ماسرجويه(4).

أما أول خليفة في الإسلام احتضن الترجمة ورعاها وموّلها فهو ثامن خلفاء بني أمية هشام بن عبد الملك بن مروان. ومع أنه كان يصدر هو الآخر عن اعتبارات عملية خالصة، فإن اهتمامه الأول لم يتجه إلى علوم الطب والكيمياء، كشأن من تقدمه في هذا المجال من رعاة الترجمة من الأمويين، بل إلى علم السياسة وفن تدبير المُلك. وهكذا يذكر ابن النديم ـ دوماً ـ أن سالماً، المكنى أبا العلاء، كاتب هشام بن عبد الملك، نقل له «رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر». كما يذكر المسعودي أن كتاب «سياسات الفرس»  ـ وهو «كتاب عظيم يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم» ـ «نقل لهشام بن عبد الملك بن مروان من الفارسية إلى العربية»(5).

ولئن تكن عملية الترجمة قد نشطت في أيام الأمويين «بالمفرّق»، فقد كان لا بد من انتظار قيام دولة بني العباس حتى تنشط «بالجملة». فالمراجع التاريخية تجمع على أن المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، هو «أول خليفة قرّب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية، ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس»(6).

وتؤكد رواية أخرى، روى ابن أبي أصيبعة تفاصيلها في «طبقات الأطباء»، أن اهتمام المنصور بالترجمة كان يعود إلى اعتبار عملي صرف ومتعلق بشخصه. فقد أصيب المنصور بمرض في معدته، فنصحه أطباؤه باستقدام جورجس أبي بختيشوع (وفي رواية أخرى ابن بختيشوع) السرياني النسطوري، رئيس أطباء جنديسابور، لمعالجته، فاستقدمه، فشفاه، فاستبقاه في بغداد، واسترأسه ليقود حركة نشيطة في تأليف الكتب الطبية وترجمتها. ولكن ابن خلدون، الذي لا نتردد في أن نصفه بأنه المحاسب الموسوعي للحضارة العربية الإسلامية، يرفض ضمنياً مثل هذا التفسير الفردي و«الصدفوي»، ليؤكد على العكس أن نهضة حركة الترجمة في زمن المنصور فصاعداً إنما جاءت تعبيراً عن تطور حضاري جمعي وتلبية لحاجة الحضارة العربية الإسلامية، في لحظة تجاوزها لذاتها ولسائر الحضارات التي تقدمتها، إلى هضم تراث هذه الحضارات في عملية انفتاح على الآخر يقلّ نظيرها ـ من حيث الاتساع ـ في التاريخ الحضاري ما قبل الحديث. هكذا يقول صاحب «المقدمة»: «لما انقرض أمر اليونان وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها، وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدة باقية في خزائنهم قد ملكوا الشام وكتب هذه العلوم باقية فيها(7). ثم جاء اللَّه بالإسلام وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له، وابتزّوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم، وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع، حتى إذا تبحبح من السلطان والدولة وأخذ الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم وتفننوا في الصنائع والعلوم، تشوقوا في الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الأساقفة والأقسّة المعاهدين بعض ذكر منها وبما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها، فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات، فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها وازدادوا حرصاً على الظفر بما بقي منها. وجاء المأمون بعد ذلك وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله، فانبعث لهذه العلوم حرصاً وأوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك فأوعى منه واستوعب، وعكف عليه النُظّار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها»(8).

وبديهي أننا لسنا هنا في صدد التأريخ للترجمة في الإسلام. ولكن نص ابن خلدون هذا، الذي يؤكد على السياق الحضاري الشامل الذي اندفعت فيه حركة الترجمة في الإسلام، يشير، من خلال العبارة التي سوّدناها في النص، إلى تدخل عامل جديد، غير العامل المنفعي، في تحفيز الترجمة، ألا هو العامل المذهبي، أو الأيديولوجي كما بتنا نقول بلغة عصرنا. فـ «الرغبة في العلم» التي صدر عنها المأمون وهو يبني أكبر ورشة للترجمة في الإسلام ـ عنينا “بيت الحكمة” ـ إنما كانت متعينة، بحسب التعبير الخلدوني، «بما كان ينتحله». ونِحلة المأمون كما نعلم جميعاً هي الاعتزال. فهو لم يحتضن العقيدة المعتزلية ولم يبوئ أصحابها مناصب عالية في الدولة فحسب، بل تدخل أيضاً سلطوياً ليجعل منها عقيدة رسمية للدولة، أو أيديولوجياً سائدة كما بتنا نقول اليوم. ولم يقتصر دوره على الاحتضان والتشجيع، بل تعداه إلى التأليف في الكلام الاعتزالي. فابن النديم يصفه بأنه «أعلم الخلفاء بالفقه والكلام»، وينسب إليه رسالة في «الإسلام والتوحيد»، وثانية في «حجج مناقب الخلفاء» وثالثة في «أعلام النبوة»(9).

ونحن نملك دليلاً إضافياً ـ وحاسماً ـ على الطبيعة الأيديولوجية للدافع الذي أملى على المأمون مأثرته الكبرى في احتضان عملية الترجمة، يتمثّل فيما اشتهر في الأدبيات العائدة إلى هذا الموضوع باسم «حلم المأمون». وراوية هذا الحلم هو ـ مرة أخرى ـ ابن النديم. ففي فصل عقده تحت عنوان: «ذكر السبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة في هذه البلاد» قال: «أحد الأسباب في ذلك أن المأمون رأى في منامه كأن رجلاً أبيض اللون، مشرباً بالحمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالسً على سريره. قال المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة، فقلت من أنت؟ قال: أنا أرسطاليس. فسررت به وقلت: أيها الحكيم، أسألك؟ قال: سل. قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور. قلت ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم!»… فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب»(10).

وبديهي أننا أمام حلم مصنوع، وأنه بصفته كذلك حلم للتفسير البَعدي، لا القبلي. ولكن إن يكن الحلم كاذباً من حيث الواقعة، فهو صادق من حيث الدلالة. فما يميّز الاعتزال كعقيدة كلامية أنه يقدم العقل في الترتيب على الشرع ـ وكم بالأولى على الجمهور (الإجماع) ـ لأن الفرضية الأساسية التي ينطلق منها هي أن حجة الشرع، على قطعيتها، لا تستقيم إلاّ بقوة العقل. وعلى حد تعبير الإمام القاسم الرسِّي، فإن حجة العقل أسبق من حجة الشرع، أو هي أصلها: فالشرع إنما بالعقل يُعرف(11).

إذن فحلم المأمون، بدلاً من أن يكون مبدأ للتفسير، أحرى بأن يكون موضوعاً للتفسير.

أولاً، لأنه حلم، والحلم في الفضاء العقلي الديني للعصر الوسيط وسيلة معتمدة من وسائل الإقناع الجمهوري من حيث هو حامل لما كان يسمى في حينه الرؤيا الصادقة. وثانياً لأنه بانتصاره الترتيبي للعقل على الشرع، ولكليهما على إجماع الجمهور، إنما يكرس النزعة العقلية والنخبوية معاً للمعتزلة، وفي مقدمتهم المأمون نفسه(12).

ولكن، لئن يكن المأمون قد أدخل على هذا النحو، وللمرّة الأولى، عاملاً إيديولوجياً مباشراً في تحفيز عملية الترجمة، فهذا لا يعني أن هذه العملية قد تمخضت عن إيديولوجيا مترجمة، كما هو واقع الحال في حركة الترجمة المعاصرة في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين على النحو الذي تقدمت الإشارة إليه في ما سبق. فقد كانت حصيلة العملية الثقافية الكبيرة التي قادها المأمون ترجمة كامل المنظومة الفلسفية الأفلاطونية ـ الأرسطية المتاحة مخطوطاتها في حينه إلى العربية. والحال أن هذه المنظومة الفلسفية اليونانية، أو المكتوبة باليونانية، بأصولها وشروحها معاً، ما كانت تمثل إيديولوجيا بالمعنى الذي نعطيه اليوم لهذه الكلمة، للدلالة على جسم نظري متسق من الأفكار الموظفة في خدمة برنامج سياسي محدد. بل إنها ما كانت تعبّر حتى عن رؤية للعالم بالمعنى المذهبي الواحدي لهذه الكلمة. فالمنظومة الفلسفية اليونانية، أو المكتوبة باليونانية ـ ونحن نشدد هنا على هذا التعبير ـ كانت تمثّل أعلى سقف للاشتغال الذاتي للعقل ما قبل الحديث، وهذا قبل أن يقيد هذا العقل نفسه، ابتداء من التاريخ الميلادي ثم الهجري، بنص مقدس. والحال أن حركة الاعتزال، التي انتصر لها المأمون، كانت تمثّل بدورها أعلى سقف لاشتغال العقل في حضارة متمركزة حول نص مقدس شأن الحضارة العربية الإسلامية. وإنما عند هذا السقف العالي كان الالتقاء بين النزعة العقلية في الثقافة اليونانية أو المكتوبة باليونانية وبين النزعة العقلية في الثقافة العربية الإسلامية. وهذا الزواج ـ الذي أعقبه خلاف ويا للأسف كما سنرى ـ هو الذي أينع أشهى ثمرات الثقافة في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية في ما بين القرنين الثالث والسادس للهجرة.

ومهما يكن من شبهة الأيديولوجيا التي يمكن أن تحيط بالفلسفة أو بـ «الكتب الحكمية» كما كان يقول القدامى، فإن عملية الترجمة التي أطلقها المأمون المعتزلي على أوسع نطاق وقعت أسيرة مفارقة كبيرة.

فاعتزالية المأمون التي فتحت الباب على مصراعيه أمام حركة الترجمة هي عينها التي قدمت الذريعة للخصوم ـ خصوم الاعتزال والفلسفة معاً ـ ليعيدوا إغلاق ذلك الباب. فالسياق الاعتزالي الذي تطورت فيه حركة الترجمة ساعة المخاض سيظل يطاردها كاللعنة حتى ساعة الممات. ولن يشفع هنا لحركة الترجمة كونها تخطت البرنامج المأموني، وكونها امتدت في الزمان نحواً من قرنين بعد رحيل المأمون، وكونها امتدت في المكان إلى غير فلسفة اليونانيين وعلومهم لتشمل آداب الفرس وحكمة الهند وعلومها، فضلاً عن قليل أندر من كتب القبط والنبط والسريان. فصحيح أن شهرة المنقولات اليونانية طغت على ما عداها، ولكن الجدير ذكره أن كبير المؤرخين لحركة الترجمة في الإسلام ـ عنينا ابن النديم ـ يعقد فصلاً بتمامه تحت عنوان: «أسماء كتب الهند في الطب الموجودة بلغة العرب»، يحصي فيه العناوين الآتية: «كتاب سرد، عشر مقالات، أمر يحيى بن خالد (البرمكي) بتفسيره لمنكه الهندي في البيمارستان ويجري مجرى الكناش (الخلاصة الطبية)، كتاب استانكر الجامع تفسير ابن دهن، كتاب سيرك فسره عبد اللَّه بن علي من الفارسي إلى العربي، لأنه أولاً نقل من الهندي إلى الفارسي، كتاب سندستاق، معناه كتاب صفوة النجع، تفسير ابن دهن صاحب البيمارستان، كتاب مختصر للهند في العقاقير، كتاب علاجات الحبالى للهند، كتاب توقشتل، فيه مائة داء ومائة دواء، كتاب روسا الهندية في علاجات النساء، كتاب السكر للهند، كتاب أسماء عقاقير الهند، فسره منكه لاسحق بن سليمان، كتاب رأي الهندي في أجناس الحيات وسمومها، كتاب التوهم في الأمراض والعلل لتوقشتل الهندي»(13).

والواقع أن استعراض عناوين فصول كتاب الفهرست لابن النديم لا يدع مجالاً للشك في أن حركة الترجمة في القرنين الثالث والرابع للهجرة طالت، لا الفلسفة وحدها كما هو مشهور، بل جميع ميادين العلم الممكنة في حينه، بدءاً بالطب والفلك والجغرافيا، ومروراً بالموسيقى وعلم الحيل والحركة (الميكانيكا) والحساب والهندسة(14)، وانتهاء بعلوم الفروسية والحرب (الاستراتيجية) والبيطرة والصيدلة والباه (الجنس)، فضلاً عن فنون السحر والنيرنجيات وتعبير الرؤيا، بله «العطر» و “الطبيخ”.

حركة الترجمة الواسعة النطاق هذه، التي نكاد نجزم بأنه لا نظير لها في تاريخ العصرين القديم والوسيط، هي التي قُمِعَت ابتداء من القرن الخامس الهجري في سياق حركة الإبادة الشاملة التي تعرض لها الاعتزال، ومن ثم النزعة العقلية في الحضارة الإسلامية ابتداء من الانقلاب القادري (380 ـ 422هـ) الذي كان وجد طبعته الأولى المبكرة في الانقلاب المتوكلي (232 ـ 247هـ).

ولا يتسع هنا المجال للدخول في تفاصيل عملية التصفية التاريخية الكبرى للاعتزال التي انتهت إلى إعلان إقالة العقل في الحضارة العربية الإسلامية وإلى إلغاء الاستقلالية النسبية التي كان أقرّ له بها المعتزلة، وإلى محاصرة كل انفتاح وكل نزوع عقلي إلى الجديد تحت شعار محاربة البدعة الذي ساد بلا منازع على امتداد القرنين السابع والثامن الهجريين، وكان مدخل الحضارة العربية الإسلامية إلى سرداب ليل الانحطاط الطويل. ولكن، لتكن لنا مع ذلك وقفة وجيزة مع ابن الجوزي الذي كان واحداً من أبرز المتعاطفين مع الانقلاب القادري من سلفيي القرن السابع. يقول في كتابه «المنتظم»: «في سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر باللَّه فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع وتبرأوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود (السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي) أمر أمير المؤمنين واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين وإبعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنة في الإسلام»(15).

وإنما في سياق هذه التصفية الشرسة للتركة الاعتزالية وللنزعة العقلية النسبية التي لابستها، تمت عملية وأد الترجمة وتنظيم محرقة حقيقية، عملية ونظرية معاً، للعلوم والكتب المترجمة الموصومة ـ هي وتلك المؤلفة في ركابها ـ بأنها «دخيلة». ويبدو أن أول حارق كبير للكتب هو أيضاً السلطان محمود الغزنوي (387 ـ 421هـ) الذي أخذ على عاتقه ـ في سياق المنافسة السياسية/الدينية مع أُمراء بني بويه ـ تنفيذ برنامج الخليفة القادر باللَّه في تصفية المعتزلة. فأعظم مكتبة لعلوم الأوائل ـ بعد مكتبة بخارى السامانية ـ كانت مكتبة الري البويهية. والحال أن أول ما فعله «أمين الملة» بعد أن دخلت عساكره الري أنه «صلب من الباطنية خلقاً كثيراً ونفى المعتزلة إلى خراسان وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنجوم، وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل»(16).

ولكن ظاهرة حرق الكتب لم تبقَ موقوفة على أهل السلطان، بل امتدت إلى العامة بتحريض من المتعصبين من الفقهاء. ففي الفتنة المزمنة التي دامت قرنين بتمامهما بين سُنّة بغداد وشيعتها أُحرقت مكتبات ودور كثيرة للكتب، فضلاً عن مساجد وبيوت وأحياء بكاملها. وأخبار هذه الفتنة، وما واكبها من «قتل على الهوية» وإحراق للأملاك، مستوفاة في كتاب الكامل لابن الأثير. ويبدو أن هذه الفتنة تطورت في زمن لاحق إلى صدامات لا تقل دموية بين حنابلة بغداد وأشاعرتها، كما بينهم وبين أحنافها. وإنما في سياق هذه الفتنة المستمرة أورد ابن رجب في «طبقات الحنابلة» وصفاً هو الأكثر درامية في نوعه لمحرقة للكتب أقيمت في مدينة واسط في زمن وزارة ابن يونس الذي كان يكن كراهة خاصة لأسرة المتصوف الحنبلي الكبير عبد القادر الجيلاني لما لقيه على أيدي جيرانه من أولاده من أذى وهو صغير فقير. فبأمر منه دهمت في حينه دار الشيخ عبد السلام بن عبد الوهاب، حفيد الشيخ عبد القادر وفتشت «ووجدت فيها كتب من كتب الفلاسفة ورسائل إخوان الصفا وكتب في السحر والنارنجيات وعبادة النجوم… وكلها مكتوبة بخط عبد السلام… الذي… عبثاً حاول تبرئة نفسه بقوله إنه لا يؤمن بهذه الأشياء، وإنما هو نسخها ليرد عليها فحسب. فقد أمر بإحراق كتبه، ولأجل ذلك أقيمت نار عظيمة أمام مسجد مجاور لجامع الخليفة، وجلس القضاة والعلماء ـ ومن بينهم الفقيه ابن الجوزي الذي كان هو الآخر خصماً لعبد السلام ـ على سطح المسجد، وتجمع عدد كبير من الناس وقفوا أمام المسجد في صفوف، وألقيت الكتب من فوق سطح المسجد في النار. وقام من يقرأ مضمون هذه الكتب كتاباً كتاباً ويقول: العنوا مَنْ كتب هذه الكتب ومن اعتقد بما جاء فيها، فكان العامة يصيحون باللعن حتى تعدى هذا اللعن إلى الشيخ عبد القادر نفسه، بل وإلى الإمام أحمد (ابن حنبل). وكانت غضبة على الكفار والملحدين ولا غضبة يوم بدر»(17).

ولم تقتصر ظاهرة محارق الكتب ـ وتحديداً منها كتب «علوم الأوائل» المترجمة ـ على المشرق حيث كانت الحرب على المعتزلة والنزعة العقلية دائرة رحاها ومتتابعة فصولاً على مدى قرنين أو ثلاثة، بل امتدت أيضاً إلى المغرب حيث لم يصب الفكر المعتزلي تطوراً يذكر. ومع ذلك فإن المتعصبين من فقهاء المالكية أداروا ضد كتب علوم الأوائل الحرب عينها التي أدارها المتعصبون من فقهاء الحنبلية في المشرق (والتي وجدناها في نص ابن رجب تنقلب عليهما). وحسبنا هنا شاهد واحد نقبسه عن صاعد الأندلسي في طبقات الأمم. فقد روى أن الأمير الأموي الحكم الثاني المستنصر باللَّه (350 ـ 366هـ) ـ الذي شاء على ما يبدو أن يجسّد بشخصه طبعة أندلسية من الخليفة العباسي المأمون ـ كان مولعاً بالكتب، جمّاعاً لها، فـ «استجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار المشرق عيون التواليف الجليلة والمصنفات الغريبة في العلوم القديمة والحديثة، وجمع فيها في بقية أيام أبيه (عبد الرحمن الناصر) ثم في مدة ملكه من بعده ما كان يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك بفرط محبته للعلم وبعد همّته في اكتساب الفضائل وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك. فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل وتعلّم مذاهبهم. ثم توفي في شهر صفر من سنة ست وستين وثلاثمائة. وولي بعده ابنه هشام المؤيد باللَّه وهو يومئذ غلام لم يحتلم، فتغلب على تدبير ملكه حاجبه أبو عامر… وعمد أول تغلبه عليه إلى خزائن أبيه الحكم الجامعة للكتب المذكورة وغيرها وأبرز ما فيها من ضروب التواليف بمحضر خواصه من أهل العلم بالدين، وأمرهم بإخراج ما في جملتها من كتب العلوم القديمة المؤلفة في المنطق وعلم النجوم وغير ذلك من علوم الأوائل حاشا كتب الطب والحساب. فلما تميّزت من سائر الكتب المؤلفة في اللغة والنحو والأشعار والأخبار والطب والفقه والحديث وغير ذلك من العلوم المباحة بمذاهب الأندلس ـ إلاّ ما أفلت منها، وذلك أقلها ـ فأمر بإحراقها وإفسادها، فأحرق بعضها وطرح بعضها في آبار القصر، وهيل عليها التراب والحجارة، وغيّرت بضروب التغايير، وفعل ذلك تحبباً إلى عوام الأندلس وتقبيحاً لمذهب الخليفة الحكم عندهم إذ كانت تلك العلوم مهجورة عند أسلافهم مذمومة بألسنة رؤسائهم. وكان كل من قرأها متهماً عندهم بالخروج عن الملة، مظنوناً به بالإلحاد في الشريعة. فسكن أكثر من كان تحرك للحكمة عند ذلك وخمدت نفوسهم وتستروا بما كان عندهم من تلك العلوم»(18).

هذه المحارق الفعلية التي تكرر مشهدها في أزمات شتى وأماكن شتى من البقعة الفسيحة للحضارة العربية، قارنتها محرقة نظرية، أشد خطورة وفاعلية على المدى التاريخي الطويل. فما قد تستأصل شأفته هنا وهناك قد يعاود النبت هنا وهناك إذا ما تغيّرت ظروف البيئة السياسية والأيديولوجية. ولنا دليل على ذلك في مصائر علوم الأوائل في مفصل القرنين الرابع والخامس للهجرة. فما إن قُضي في ظل الحكم القادري على «مدرسة بغداد» الفلسفية التي كان آخر قادتها أبو سليمان السجستاني بعد يحيى بن عدي حتى نابت منابها، في خُراسان وما وراء النهر، المدرسة السينوية. بالمقابل فإن المحرقة النظرية من شأنها أن تلغي إمكان معاودة النبت، لأنها لا تستأصل من الجذور فحسب، بل تجفف أيضاً التربة وتوبئ الهواء المحيط. وبكلمة واحدة، تبطل المشروعية النظرية للتعاطي مع «علوم الأوائل» ترجمة وتأليفاً على السواء.

ولا يتسع المجال، في حدود هذه الورقة، لرصد مختلف مظاهر المحرقة النظرية وأطوارها المتصاعدة. وحسبنا هنا أن نشير إلى أن ابن قتيبة، المتوفى سنة 376هـ، كان من أوائل من وضعوا علوم الأوائل المترجمة في موضع التعارض البياني والأيديولوجي مع «كتاب اللَّه»(19). وتلاه عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ، فأدرج الفلاسفة والمشتغلين بعلوم الأوائل في عداد «أهل الأهواء» والفرق الخارجة على الإسلام، واعتدهم من «الكفرة الذي لا يؤخذ منهم الجزية ويقتلون» إن لم يرتدوا عن كفرهم(20). ثم كان تصعيد جديد عندما خص الغزالي الفلاسفة بكتاب كامل ـ تهافت الفلاسفة ـ كفرهم فيه في ثلاث مسائل وبدّعهم في سبع عشرة مسألة، وأوجب في الحصيلة الختامية لكتابه «القتل لمن يعتقد اعتقادهم»(21). ولئن حاول الغزالي استثناء المنطق من علوم الأوائل وعمل ـ جاهداً والحق يُقال ـ على إضفاء المشروعية الدينية عليه بوصفه محض آلة علمية محايدة، فإن ابن الصلاح الشهرزوري، المتوفى سنة 643هـ، لم يتردد في أن يصدر فتواه الشهيرة التي حكم فيها بتكفير أهل المنطق، فضلاً عن أهل الفلسفة، وصاغ فتواه في بيان غدا برنامج عمل ووثيقة معتمدة لكل من سيتصدى في القرون التالية لأهل الفلسفة والمنطق وسائر علوم الأوائل إلى حد استباحة دمائهم. يقول نص هذه الفتوى الذي لا نتردد في أن نصفه بأنه مرعب: «الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة… واستحوذ عليه الشيطان… وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالح وسائر من يقتدى به من أعلام الأمة وساداتها… وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة(22). وليس بالأحكام الشرعية، والحمد للَّه، افتقار إلى المنطق أصلاً… ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها، حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة. ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها، فقد خدعه الشيطان ومكر به. فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شرّ هؤلاء المياشيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر عنه اعتقاد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتخمد نارهم ويمحى آثارها وآثارهم»(23).

وفي سياق هذه الردة الكاسحة على علوم الأوائل «الدخيلة على الملة» ابتداء من القرن السابع الهجري ـ وهو أول قرون عصر الانحطاط ـ كان لا بد للمؤرخين ولقادة الفكر السلفي المتشدد السائد في تلك الحقبة أن يعاودوا النظر في ما اعتبر في حينه  ـ ولا نزال نعتبره إلى الآن ـ مأثرة حضارية كبرى للمأمون مؤسس بيت الحكمة والراعي الكبير لحركة الترجمة في الإسلام. فابن تيمية (661 ـ 728هـ) الذي قاد أشرس حملة في عصره ضد الفلسفة والمنطق وسائر علوم الأوائل المعربة، بادر يحمّل المأمون مسؤولية البدع وضروب الكفر التي انتشرت بين المسلمين بسبب الكتب المترجمة. وفي ذلك يقول بالحرف الواحد: «في دولة أبي العباس المأمون ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين، وعرّب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين. وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة. فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك استيلاء الجهمية (المعتزلة عند ابن تيمية) والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلاً وعدلاً، وإنما هو جهل وظلم; إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر، أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل»(24).

ويورد السيوطي في كتابه «صون المنطق والكلام» على لسان ابن تيمية قوله أيضاً: «حدثني من أثق به أن الشيخ تقي بن أحمد بن تيمية رحمه اللَّه تعالى كان يقول: ما أظن أن اللَّه يغفل عن المأمون ولا بد له أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها»(25).

والواقع أن السيوطي، المتوفى سنة 906هـ، هو من يجري للمأمون ـ ولسائر بني العباس ـ أوسع محاكمة بعد الوفاة على «جريمة» استقدام الكتب وتعريب علوم الأمم الأخرى. يقول (وهو يعتمد في ذلك رواية لأبي محمد بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان نقلاً عن الشيخ نصر المقدسي في كتابه «الحجة على تارك المحجة»): «رحم اللَّه بني أمية، لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة، وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم العرب. فلما زالت الخلافة عنهم، ودارت إلى بني العباس، قامت دولتهم بالفرس، وكانت الرياسة فيهم، وفي قلوب أكثر الرؤساء الكفار منهم البغض للعرب ولدولة الإسلام. فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام، ولولا أن اللَّه تبارك وتعالى وعد نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام. ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه»(26)ابن خلدون

وضمن هذا المنطق كان لا بد أن تصور بادرة العباسيين ـ وعلى رأسهم المأمون ـ في إطلاق عملية الترجمة على أنها مؤامرة مدبرة التقت فيها زندقة الداخل ومكيدة الخارج. وهكذا ينقل السيوطي عن الصلاح الصفدي (ت 746هـ) أنه حكى، في شرح لامية العرب”،  «أن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى ـ أظنه صاحب جزيرة قبرص ـ كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار عليه بعدم تجهيزها إليه، إلاّ بطريق واحد، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلاّ أفسدتها وأوقعت بين علمائها»(27).

 ويبدو أن قصة «المؤامرة» هذه قد بدأ تداولها منذ القرن الخامس الهجري، وهو القرن الذي شهد، في العهد القادري في ربعه الأول وفي العهد السلجوقي في نصفه الثاني، تعبئة أيديولوجية ماحقة ضد الفلسفة وعلوم الأوائل. فالسيوطي هو من ينقل أيضاً عن الشيخ نصر المقدسي، المتوفى سنة 490 هـ كما ذكرنا، تتمة رواية الفقيه المالكي القيرواني أبي حمد بن أبي زيد (المتوفى سنة 289هـ)، وفيها المزيد من التفصيل عن تلاقي التواطؤ الداخلي مع التآمر الخارجي في استجلاب «الكتب اليونانية» لتقويض دولة العرب والإسلام. يقول: «فأول الحوادث التي أحدثوها (بنو العباس ورؤساء الفرس) إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام، فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين. وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام يحيى بن خالد بن برمك. وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم، وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية أن يتركوا دين النصرانية ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم، فجمع الكتب في موضع وبنى عليها بناء مطمسة بالحجر والجص حتى لا يوصل إليها(28). فلما أفضت رياسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد ـ وكان زنديقاً ـ بلغه خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم، فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا، ولا يلتمس منه حاجة. فلما أكثر عليه، جمع الملك بطارقته وقال لهم: إن هذا الرجل خادم العربي قد أكثر عليَّ من هداياه ولا يطلب مني حاجة، وما أراه إلاّ يلتمس حاجة، وأخاف أن تكون حاجته تشق علي. فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك إن كانت له حاجة فليذكرها. فلما أخبر الرسول يحيى، رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إليّ، أخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه. فلما قرأ الرومي كتابه استطار فرحاً، وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العربي أنه لا يخلو من حاجة، وقد أفصح بحاجته، وهي أخف الحوائج عليَّ. وقد رأيت رأياً إسمعوه، فإن رأيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا. فقالوا: وما هو؟ قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها. قالوا: فما رأيك؟ قال: قد علمت أنه ما بنى عليها مَنْ كان قبلنا إلاّ لأنه خاف إن وقعت في أيدي النصارى وقرأوها كان سبباً لهلاك دينهم وتهديد جماعتهم، وأنا أرى أن أبعث بها إليه وأسأله ألا يردها، يبتلون بها ونسلم نحن من شرها، فإني لا آمن أن يكون بعدي من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك، فأمضاه»(29).

 وكما يقضي منطق القصص الموضوعة فإن «مؤامرة الكتب اليونانية» كان لا بدّ أن تؤتي أكلها بإحداثها بين المسلمين الاختلاف والشقاق والتشتت الذي لـم تحدثه بين النصارى. ولهذا قال الإمام الشافعي ـ أو قوِّل بالأحرى ـ إنه «ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاليس». ويضيف راوية هذا القول المنسوب إلى الشافعي، وهو «قاضي المسلمين الحافظ عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة» (المتوفى سنة 767 هـ): «أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من البدع»(30).

 ونحن لسنا هنا بصدد استعراض جميع مظاهر الحصار الأيديولوجي الذي فرض في القرون المتأخرة حول الاشتغال بعلوم الأوائل، والذي وجد حتى في شخص ابن خلدون ـ الذي ما كان يصدر مع ذلك عن النظرة الانغلاقية نفسها التي كان يصدر عنها ابن تيمية والسيوطي ـ من يشيعه إلى مثواه الأخير. وبالفعل إن صاحب «المقدمة»، الذي كتب فصلاً بتمامه تحت عنوان: «في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها»، يميل في نهاية المطاف إلى تقييم بادرة المأمون في استقدام الكتب وترجمتها تقييماً سلبياً، إذ بسببها «دخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها، والذنب في ذلك لمن ارتكبه، ولو شاء اللَّه ما فعلوه». ومن دون أن يماري ابن خلدون في حتمية ازدهار علوم الأوائل حيثما قام صرح الحضارة، مؤكداً على أنها «عارضة في العمران كثيرة في المدن»، فإنه يحذر من أن «ضررها في الدين كثير»، ولا سيما أن «كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ من مذاهبهم من أضله اللَّه من منتحلي العلوم وجادلوا عنها»(31).

 وفي هذا الصدد يستشهد ابن خلدون بالواقعة التالية التي يعود زمنها إلى الصدر الأول قبل أن يتطور العمران الإسلامي تطوره الكبير في العهد العباسي، فيقول: «اعلم أن أكثر من عني بها (العلوم العقلية والطبيعية من منطق وفلسفة وطبيعيات وتعاليم وهيئة) الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام، وهما فارس والروم… وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيماً ونطاقها متسعاً لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال الملك… ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتباً كثيرة، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا اللَّه بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفانا اللَّه، فطرحوها في الماء أو في النار، وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا»(32). وينبغي أن نضيف حالاً أن ابن خلدون لا يؤسس هذه الواقعة العمَرية في مثال سبق، ولا يخلع عليها بالتالي طابعاً إلزامياً لا خيار فيه للخلف إلاّ أن يقلد السلف. فحسّه العميق بقوانين العمران التي تعود إليه الريادة في استكشافها يجعله يلجم نزعته الأيديولوجية الأشعرية عن أن تجنح، في الموقف المحافظ من علوم الأوائل، جنوح السلفيين المتشددين الذين ما كان صوت آخر يعلو على صوتهم في عصره في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. فابن خلدون الذي أدرك أن تلك العلوم العقلية تلبي حوائج العمران لم يركب مركب تكفير المشتغلين بها ولم يدعُ إلى نصب المحارق للكتب الحاوية لها. فخلا الفلسفة والنجوم والكيمياء التي قال بإبطالها، فقد أباح الاشتغال بسائرها من طبيعيات ورياضيات وفلكيات، مشترطاً شرطاً واحداً يتيماً وهو: «ليكن الناظر فيها متحرزاً جهده من معاطبها، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه، ولا يكبنّ أحد عليها وهو خلو من علوم الملة، فقلّ أن يسلم لذلك مع معاطبها»(33).

 وما دمنا قد اخترنا أن نختم هذه الورقة مع من قلنا إنه كان المحاسب الموسوعي للحضارة العربية الإسلامية، فلتكن لنا وقفة ختام الختام مع النص التالي لصاحب «المقدمة». فبعد أن يعقد ابن خلدون فصلاً على حدة للعلوم العقلية، يعرض فيه لمصائر هذه العلوم في الحضارات الكبرى الثلاث، الفارسية والرومية والإسلامية، يلاحظ بشيء من الأسى فيما يتعلق بزمانه ومكانه، أن «المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران بهما وتناقصت العلوم بسببه، اضمحل ذلك منهما إلاّ قليلاً من رسومه تجدها في تفاريق من الناس وتحت رَقَبة من علماء السنة». والحال أن هذا التأسي المكتوم على اضمحلال العلوم في المغرب والأندلس يأخذ دلالة خاصة عندما يضيف ابن خلدون فقرة ختامية يقارن فيها بين المصير الآفل للعلوم العقلية في العدوة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط مع المصير الطالع لهذه العلوم في العدوة الشمالية، قائلاً بالحرف الواحد: «كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الافرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوافرة، وطلبتها متكثرة، واللَّه أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار»(34).

 ولا يخفى هنا أمام إشارة تاريخية ثمينة ونادرة ـ وربما يتيمة في الأدبيات العربية الإسلامية الراجعة إلى ذلك العصر ـ إلى بداية نهضة العلوم العقلية والفلسفية في الغرب الأوروبي (الشمال بالنسبة إلى ابن خلدون) في القرن الرابع عشر الميلادي. والحال أننا نعلم جميعاً أن هذه النهضة، التي أخرجت الغرب من ظلام القرون الوسطى الأولى، تدين بقسط موفور منها إلى حركة ترجمة الكتب العربية والكتب اليونانية بوساطة عربية أو عبرية إلى اللاتينية. ولكن حركة الترجمة هذه، التي نشطت كل النشاط في الغرب، كانت ماتت كل الموت في الشرق. فعلى حد علمنا، لم يترجم كتاب جديد واحد إلى العربية، نقلاً عن أي لغة حضارية متداولة في ذلك العصر، على امتداد الحقبة الممتدة ما بين القرن الخامس والقرن الثاني عشر للهجرة(35). وليس هذا فحسب، بل إن مبدأ الترجمة بالذات قد فقد مشروعيته النظرية منذ سادت الأيديولوجيا السلفية المتشددة والانغلاقية في القرون المتأخرة التي درج الكثيرون على تسميتها «عصر الانحطاط». ونحن نزعم أنه لو لم توأد حركة الترجمة، ولو ظلت الحضارة العربية الإسلامية في طورها المتأخر منفتحة على الآخر انفتاحها عليه في طورها المتقدم، لما كانت كارثة الانحطاط قد وقعت، أو على الأقل لما كانت أخذت ذلك الشكل النهائي الذي أخذته، أو على أقل الأقل لما كان عصر النهضة العربية تأخر إلى القرن التاسع عشر، ولكان أمكن أن يبدأ من القرن الخامس عشر أو السادس عشر فيما لو وجد من يتنبه لملاحظة ابن خلدون عن نهضة العلوم العقلية في عصره في العدوة الشمالية من المتوسط، ويدشن بالتالي حركة ترجمة عن اللاتينية مشابهة لتلك التي دشنها أمويو القرن الثاني وعباسيو القرن الثالث عن الفارسية واليونانية.

 الهوامش

 (1) المسعودي: التنبيه والإشراف، طبعة دار ومكتبة الهلال المصورة، بيروت 1981، ص 262. والواقع أن هذا النص الخبري يثير إشكالاً: فحتى لو سلمنا بوجود ممثلين (من التجار في الغالب) للغات الأربع المشار إليها في المدينة، فإن زيد بن ثابت ما كان ليأخذ عنهم لغاتهم إلاّ شفاهاً، ولكن مكمن الإشكال الذي لا جواب عنه هو: كيف أتقن زيد الكتابة الأبجدية لتلك اللغات المتباينة عظيم التباين في خطوطها؟

(2) يروي ابن النديم في «الفهرست» (ص 3338 ـ 339) قصة هاتين المبادرتين على النحو الآتي: «نقل الديوان»، وكان باللغة الفارسية، إلى العربية في أيام الحجاج، والذي نقله صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم. وكان أبو صالح من سبي سجستان، وكان يكتب لزاد انفروخ بن ابيري، كاتب الحجاج، يخطّ بين يديه بالفارسية والعربية. فخف على قلب الحجاج. فقال صالح لزاد انفروخ: «إنك أنت سببي إلى الأمير، وأراه قد استخفني (استظرفني)، ولا آمن أن يقدمني عليك، وأن تسقط منزلتك». فقال: «لا تظن ذلك، هو إليّ أحوج مني إليه لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري»، فقال: «واللَّه لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته»… واتفق أن قُتل زاد انفروخ في فتنة ابن الأشعث، وهو خارج من موضع كان فيه إلى منزله، فاستكتب الحجاج صالحاً مكانه. فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين صاحبه في نقل الديوان. فعزم الحجاج على ذلك وقلده صالحاً. فقال له مردانشاه بن زاد انفروخ: «كيف تصنع بدهويه وششويه؟»، قال: «أكتب عشراً ونصف عشر». قال: «كيف تصنع بويد؟» قال: «أكتب: وأيضاً». فقال له: «قطع اللَّه أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية!». وبذلت له الفرس مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان، فأبى إلاّ نقله، فنقله.. أما الديوان بالشام فكان بالرومية، والذي كان يكتب عليه سرجون بن منصور لمعاوية بن أبي سفيان، ثم منصور بن سرجون. ونقل الديوان في زمن هشام بن عبد الملك، نقله له أبو ثابت سليمان بن سعد مولى حسين. وقام على كتابة الرسائل أيام عبد الملك. وقد قيل إن الديوان نقل في أيام عبد الملك، فإنه أمر سرجون ببعض الأمر فتراخى فيه، فأحفظ عبد الملك، فاستشار سليمان، فقال له: «أنا أنقل الديوان وارتحل منه».

(3) ابن النديم: «الفهرست»، طبعة دار المعرفة المصورة، بيروت بلا تاريخ، ص 338.

(4) هذا بحسب رواية ابن جلجل في «طبقات الأطباء». أما ابن النديم فيسميه ماسرجيس.

(5) التنبيه والإشراف»، ص 108 ـ 109.

(6) السيوطي: «تاريخ الخلفاء»، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة مصورة بلا تاريخ، ص 269.

(7) فيما يتعلق بمآل العلوم اليونانية، ولا سيما منها الفلسفة، في المسيحية الأولى والنصرانية الرومية، راجع كتابنا: «مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، دار الساقي، بيروت 1998.

(8) ابن خلدون: المقدمة، طبعة دار الجيل المصورة، بيروت بلا تاريخ، ص 531.

(9) الفهرست»، ص 168.

(10) المصدر نفسه، ص 339.

(11) انظر موقفه هذا في كتاب «أصول العدل والتوحيد»، المنشور ضمن «رسائل العدل والتوحيد»، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة ـ بيروت 1988، ج1، ص 124. والواقع أن كل نظرية التكليف في الفقه الأصولي تقوم على الأساس نفسه: فليس بمكلف إلاّ من كان ذا عقل. ولكن في الوقت الذي يصادر الأصوليون على هذه القاعدة الفقهية ويضعونها في رأس مسلماتهم، لا يستخلصون منها دلالتها الابستمولوجية على أولوية العقل.

(12) نحن نرفض هنا رفضاً باتاً تفسير المستشرق الألماني الكبير كارل هنريخ بيكر، الذي قبسه عنه محمد عابد الجابري بصورة شبه حرفية، لحلم المأمون على أنه تعبير عن استراتيجية ثقافية استهدفت مكافحة الغنوص الشيعي، ولا سيما الإسماعيلي. أولاً لأن الشيعة نفسها لم تكن تطورت بعد، في مطلع القرن الثالث الهجري، إلى غنوصية، وثانياً لأن الإسماعيلية لم تكن قد رأت في حينه النور، وما كان للمأمون بالتالي أن يرسم «استراتيجية ثقافية» لمكافحة عدو لم يوجد بعد.

(13) الفهرست»، ص 421.

(14) نشير هنا عرضاً إلى أن اسم علم الهندسة بالعربية ينم عن مدى المديونية في هذا المجال للعلم الهندي.

(15) أبو الفرج بن الجوزي: «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، طبعة دار صادر المصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر ـ أباد، ج7، ص 287.

(16) ابن الأثير: «الكامل»، طبعة دار الكتاب المصورة عن طبعة بولاق، بيروت بلا تاريخ، ج7، ص 335.

(17) نقلاً عن لاجنتس جولد تسيهر: «موقف أهل السنة القدماء بإزاء علوم الأوائل»، في: «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»، ترجمة عبد الرحمن بدوي، الطبعة الرابعة، ص 136 ـ 137.

(18) صاعد الأندلسي: «طبقات الأمم»، تحقيق حياة العيد بو علوان، دار الطليعة، بيروت 1985، ص 162 ـ 164. وما دمنا بصدد الحديث عن الأندلس والمغرب، فلنذكر أن إحدى العلامات الفارقة الأساسية التي ميّزت التطور الفكري للجناح الغربي من الحضارة العربية الإسلامية عن جناحها الشرقي الانعدام التام فيه لحركة الترجمة إلى العربية، وإن يكن قد شهد بالمقابل حركة ترجمة معاكسة من العربية إلى العبرية، ومنها إلى اللاتينية، مما أسهم في إيقاظ الغرب الأوروبي من سباته القروسطي.

(19) يزري ابن قتيبة في «أدب الكاتب» على «مثقف» عصره لأنه «طال عليه أن ينظر في علم الكتاب، وفي أخبار الرسول (صلّى اللَّه عليه وسلّم) وصحابته، وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها، فناصب ذلك وعاداه، وانحرف عنه إلى علم قد سلمه له ولأمثاله المسلِّمون، وقلّ فيه المتناظرون، له ترجمة تروق بلا معنى، واسم يهول بلا جسم. فإذا سمع الغُمر (الرجل غير المجرب) والحدث الغر قوله: الكون والفساد، وسمع الكيان، والكيفية والكمية… راعه ما سمع، وظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة… فإذا طالعها لم يَحْلَ منها بطائل: إنما هو الجوهر يقوم بنفسه، والعرض لا يقوم بنفسه… مع هذيان كثير» (أدب الكاتب)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، الطبعة الرابعة، القاهرة 1963، ص 3 ـ 4.

(20) البغدادي: «أصول الدين»، طبعة دار الكتب العلمية المصورة عن طبعة دار الفنون التركية باستانبول، الطبعة الثالثة، بيروت 1981، ص 319.

(21) الغزالي: «تهافت الفلاسفة»، تحقيق موريس بويج، دار المشرق، الطبعة الثالثة، بيروت 1986، ص 254.

(22) هذا تسفيه موجه مباشرة إلى الغزالي، كما إلى ابن حزم الأندلسي الذي كان سبقه إلى «تشريع» المنطق.

(23) نقلا عن: «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية»، ص 160 ـ 162.

(24) ابن تيمية: «نقض المنطق»، تحقيق محمد حمزة وسليمان الصنيع، مكتبة السنة المحمدية، القاهرة 1951، ص 19.

(25) السيوطي: «صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام»، تحقيق علي سامي النشار وسعاد علي عبد الرزاق، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة 1970، ص 41 ـ 42.

(26) المصدر نفسه، ص 39.

(27) المصدر نفسه، ص 41.

(28) فيما يتعلق بتفاصيل قمع «كتب اليونان» وعلومهم الفلسفية في الدولة الرومية، وفي المسيحية الأولى بصورة أعم، انظر كتابنا: «مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، ص 25 ـ 66.

(29) صون المنطق والكلام»، ص 39 ـ 41.

(30) المصدر نفسه، ص 48. ونقول: «قُوِّل» الشافعي ـ ولم «يقل» ـ لأنه بكل بساطة توفي سنة 204هـ، والمأمون الذي تولى الخلافة في ذلك العام بالضبط لم يظهر القول بخلق القرآن ـ كما تجمع المصادر التاريخية ـ إلاّ سنة 212هـ.

(31) المقدمة»، المصدر نفسه، ص 570.

(32) المصدر نفسه، ص 530 ـ 531.

(33) المصدر نفسه، ص 574.

(34) المصدر نفسه، ص 532.

(35) ربما خلا كتاب «نصيحة الملوك» للغزالي، الذي نقله أحد تلاميذه من الفارسية إلى العربية، وكذلك «شاهنامه» الفرودسي، الذي نقله إلى العربية علي البغدادي في القرن السابع الهجري بدون أن يأخذ طريقه إلى النشر الفعلي، أي إلى النساخين في حينه.

* من كتاب “هرطقات” الصادر عن “دار الساقي”

Print Friendly
This entry was posted in إسلاميات and tagged . Bookmark the permalink.