نجح الإسلاميون فيما فشل فيه الإنجليز

طلعت رضوانطلعت رضوان
بعد مقتل بطرس باشا غالى (ناظرالنظار) على يد الشاب إبراهيم الوردانى عام 1911حرّك الإنجليزمظاهرة من بعض الشباب المصريين المُتعصبين دينيًا ومشوا فى الشوارع يهتفون (تسلم يمين الوردانى اللى قتل بطرس النصرانى) أى أنّ القتل كان بسبب ديانته وليس بسبب مواقفه السياسية المُعادية للوطن والمُؤيدة للإنجليز. ولأنّ أغلب شعبنا ضد استخدام اللغة الدينية ، لذا خرجتْ مظاهرات عفوية من الشباب الواعى بالسبب الحقيقى وهم يهتفون (تسلم إيد الوردانى اللى قتل بطرس البريطانى) وكان تعقيب لويس عوض على هذا الحادث ((كان أبى رغم اشتغاله بالسياسة صاحب وعى سياسى شديد كأكثر المصريين، وقال كل هذا من عمل الإنجليز وفقـًا لسياسة (فرّق تسد) التى اتبعوها فى الهند بين المسلمين والهندوس)) وأضاف لويس عوض ((كان كرومر يحتقر كل المصريين- الأقباط والمسلمين- على السواء فلما سحبوه فى 1907بعد حادثة دنشواى أرسلوا مكانه ثعلبًا ماكرًا هو السير إيلدون جورست مع سياسة جديدة هى التودد إلى الرأى العام الإسلامى وإثارة الفتنة لتعطيل الحركة الوطنية)) ونقل أ. طارق البشرى جزءًا من رسالة نصيف جندى المنقبادى التى أرسلها من باريس إلى صحيفة الإكلير جاء فيها ((أنا أعرف الوردانى شخصيًا وهو فتى شديد الذكاء كثير المعارف ملأت صدره الوطنية الحرة وليس رجلا متعصبًا . وأنا بصفتى قبطيًا أعنى مصريًا مسيحيًا أصرّح بأنّ حركتنا هى حركة وطنية مجردة ترمى إلى الترقى والحرية. وما تهمة التعصب الإسلامى إلاّ من إشاعات الإنجليز التى يُشيّعونها ليُبرّروا المظالم التى يرتكبونها فى مصر))
الدرس الثانى من خطورة توظيف الدين لأغراض السياسة هو محاولة اغتيال يوسف باشا وهبه. ففى يوم 21نوفمبر1919أسند الإنجليز رئاسة الوزارة لهذه الشخصية المسيحية الشهيرة، إذْ كان وزيرًا فى وزارة محمد محمود المُستقيلة. وذكرأ. طارق البشرى أنّ ((الحركة الوطنية سعتْ جاهدة لتدارك هذا الاختيار الطائفى.. فتحدث سينوت حنا فى سلسلة مقالاته (الوطنية ديننا) بصفته قبطيًا ونائبًا عن الأقباط فى الجمعية التشريعية وعضوًا فى مجلس أسيوط الملى وفى الوفد المصرى . ووّجه بهذه الصفات حديثـًا عاصفـًا ليوسف وهبه الذى يضر ببلده عامة وبالقبط خاصة. وكان حرصه على التحدث بهذه الصفة مصدره العمل على عزل يوسف وهبه عن جماهير القبط وإفساد أى أثر يُراد استغلاله من رابط الدين أو الطائفة التى تجمع بين يوسف وهبه وغيره. وبذات الدوافع كتب ويصا واصف فى الجورنال دى كير يُنبّه إلى الأهمية التاريخية للكسب الذى حققه المصريون بالثورة ((هذه أول مرة قام بها الشعب المصرى قومة رجل واحد فى وجه قوة هائلة يُطالبها بحريته واستقلاله.. كمصرى أقول لحضراتكم ما يجمع عليه جميع مواطنىّ من قبط ومسلمين : لن يحكموا بغير البنادق الإنجليزية. ثم قال ليوسف وهبه إنه يتحمّل مسئولية فعلته ((أمام السلالات القادمة)) وأنه لا يُمثل القبط ولا يُعبّر عن أمانيهم))
وحكى عبدالرحمن فهمى فى رسالة إلى سعد زغلول الجانب الآخر من الأمر فقال إنه علم أنّ ((الأمة القبطية الكريمة استاءتْ جدًا من قبول يوسف وهبه رئاسة الوزارة وأنها تخشى أنْ يُسبّب هذا نفورًا بينها وبين الأمة الإسلامية)) وصحب عبدالرحمن فهمى ستة من زملائه إلى الكنيسة فى 23نوفمبر وشاركهم فى تألمهم وأكد لهم أنه لن يحدث أى فتور فى علاقاتهم وأنه إذا وُجد من بينهم خائن قبِل الوزارة فقد وُجد من المسلمين سبعة مثله قبِلوا الوزارة معه))
الدرس المهم فى هذا الحادث هو: إذا كان المُستهدف مسيحيًا فإنّ الذى قام بالمحاولة مسيحى. إذْ بعد شهر على تعيين يوسف وهبه تربص له الشاب عريان يوسف سعد فى مقهى ريش وألقى على سيارته أثناء عبورها ميدان سليمان باشا قنبلتيْن انفجرتا وأخطأتاه . تم القبض على عريان وهو يهتف (يحيا الوطن) وتبيّن أنه طالب فى كلية الطب واعترف بارتكابه الحادث لأسباب وطنية. ونظرًا لأنه مسيحى الديانة لذلك أجهض أى محاولة للإنجليز لتوظيف الحادث دينيًا لو أنّ الفاعل مسلم الديانة. وفشل البوليس فى البحث عن وجود تنظيم سرى وراء الحادث ، وذلك نظرًا لصلابة عريان يوسف سعد أثناء التحقيق . ولم تـُظهر التحريات إلاّ عن زميليْن له بكلية الطب هما تادرس المنقبادى وجورج شحاته اللذين قـُبض عليهما ثم أفرج عنهما ، وحُكم على عريان بالأشغال الشاقة عشرسنوات. وتبيّن من الوثائق التاريخية بعد ذلك أنّ عريان يوسف سعد كان عضوًا فى التنظيم السرى الذى يتزعمه عبدالرحمن فهمى وأنّ عريان هو الذى تطوع من تلقاء نفسه لمحاولة اغتيال يوسف وهبه حتى لا يستغله الإنجليز إذا قام بالمحاولة أى عضو مسلم .
الجدير بالتوقف أمامه أنّ اغتيال بطرس باشا عام 1911كان رصيدًا مهمًا فى عقل ووجدان الحركة الوطنية عام 19 التى قرّرتْ اغتيال يوسف وهبه الذى وافق على تعيين الإنجليز له، على يد شاب مسيحى مثله، أى أنّ رصيد خبرة الحركة الوطنية حىٌ فى الذاكرة القومية. وأنّ المسألة الوطنية- لا الدين- هى التى وحّدتْ أبناء شعبنا بغض النظر عن ولاءاتهم الدينية. ووفقا لصياغة لويس عوض الثاقبة فإنّ الحركة الوطنية كانت تعى أنّ يوسف باشا وهبه الذى أختير عام 1919 رئيسًا للوزراء ليقضى على الثورة ، كان قبل ذلك ب 36سنة قد عُيّن سكرتيرًا للجنة التحقيق مع العرابيين فى 1883أى أنّ أعداء الثورة العرابية كانوا لايزالون يُطاردون ثورة 19 .
بعد يوم 11فبراير2011سطا الإسلاميون على الثورة وزعموا أنهم من (الثوار) رغم رفضهم الاشتراك فيها من 24- 28يناير، ورغم أنّ آباءهم كتبوا فى مجلة النذير(عدد 33) أنّ ((إهاجة العامة ثورة والثورة فتنة والفتنة فى النار)) ورغم عدم اعترافهم ب (الشعب) من منطلق رفضهم لمبدأ (الأمة مصدرالسلطات) تأكيدًا على مرجعيتهم الأصولية التى ترى أنّ ((السيادة لله وليست للشعب)) وكذلك تمسكهم بمقولة ((الحاكمية لله)) رغم كل ذلك دخلوا معترك السياسة بانتهازية شديدة الوضوح من أجل الوصول إلى كراسى عرش مصر، فى تجاهل تام لكل ما نادوا به من مرجعية دينية. وبدأ تنفيذ سياسة (فرّق تسد) عندما تواطأ المجلس العسكرى مع الأصوليين (إخوان وغيرإخوان) بمباركة أمريكية ضد شعبنا، وتمثل هذا التواطؤ بالسماح بدخول ثلاثة آلاف مصرى من المتواجدين فى أفغانستان من التكفيريين الذين يستبيحون دماء الأبرياء كتأشيرة دخول للجنة. والسماح لأعضاء حماس بفتح السجون والإفراج عن أتباعهم الذين روّعوا شعبنا واقتحموا أقسام الشرطة. والسماح بتأسيس أحزاب دينية بالمخالفة للقوانين التى أصدرها المجلس العسكرى نفسه. وسحل وقتل الثوارفى الميادين وتعرية البنات وكشف عذريتهم فى سجون العسكر، وإدانة الأصوليين لحق التظاهر- تضامنا مع العسكر- بعد أنْ استولوا على الحكم، إلى أنْ كان التدشين فى مذبحة القصرالجمهورى مساء الأربعاء الدامى 5 نوفمبر، وهى المذبحة التى تمتْ تحت بصر وسمع من يحكمون سواء فى السلطة الرسمية أوفى السلطة الفعلية (سلطة المرشد وأتباعه) ثم توالتْ توابع الاشتباكات الدموية بين أبناء شعبنا فى أكثرمن محافظة، الأمر الذى يؤكد أنّ مخطط (فرّق تسد) هو المشروع الحقيقى لـ (اللانهضة) وهو المشروع الذى كرّسه دستورالإسلاميين المُعادى لحق المواطنة بالتكريس العملى لإقامة دولة دينية فاشستية (م 2، 4، 219، 76) مع تدعيم الدكتاتورية العسكرية (م197، 198) والسماح بعمل الأطفال (م70) والسماح بالعمل الإجبارى بالقانون (م 64) وحرمان شعبنا من العلاج والتأمين الصحى بحجة أنّ ذلك يكون بالمجان ((لغيرالقادرين)) (م62) دون تحديد من هم غيرالقادرين. أى أنّ الدستورجاء لتكريس الانقسام، أى تكريس سياسة (فرّق تسد) التى فشل الإنجليز فى تطبيقها. والانقسام على يد الإسلاميين ليس ضد غيرالمسلمين فقط ، وإنما هوضد الأمة المصرية بتنفيذ سياسة الانحياز للأغنياء ضد الفقراء وللاستبداد ضد الحرية ولأفكارعصورالظلمات ضد عصرالتنوير، باختصار لتنفيذ سياسة اللاحرية واللاعدالة والظلام ضد النور
أعتقد أنه على أصحاب العقول الحرة بعد معركة الاستفتاء على دستورالإسلاميين ، تضميد الجراح لبدء معركة فكرية حقيقة. ولكن هذه المعركة لن يُكتب لها النجاح إلاّ إذا تخلصتْ الحركة (الوطنية) من الشخصنة والبحث عن الضوء والمقعد ، ولعلهم يتعظون من خطئهم عندما تسبّبوا فى ارتفاع أصوات مرسى ضد شفيق بحجة بليدة : شفيق من النظام البائد ويده ملوثة بدماء الشهداء ، فكانت رؤية العقل الحرهى الأصوب، لأنّ من وصلوا للحكم ينطبق عليهم ما نعتوا شفيق به. وإذا لم يكن كبارالسن من الحركة الوطنية ليس لديهم الرغبة فى الشفاء من (الشخصنة) فليتركوا ساحة (النضال الفكرى والجماهيرى) للجيل الجديد الذى فجّرثورة يناير، فكانت مكافأته الاستشهاد والاعاقة ومعتقلات العسكرثم الاقصاء التام لينعم بثورة شعبنا الأعداء الحقيقيون للتعريف العلمى لمعنى (الشعب) ومعنى (الوطن)

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.