كيف يبدو العالم في عصر انحطاط أميركا؟

 زبجنيو بريجنسكي – فورين بوليسي – يناير / فبراير 2012م 

 منذ وقت ليس ببعيد، أشار مسئول صيني رفيع المستوى – كان قد خلص بوضوح لأن انحطاط أميركا وصعود الصين أمران حتميان – باندفاع صادق لمسئول أميركي بـ “لكن نرجوكم، لا تدعو الولايات المتحدة تنحط سريعاً جداً”، وبالرغم من أن حتمية توقع الزعماء الصينيين لازالت بعيدة عن اليقين، إلا أن صديقنا هنا كان على حق في حذره عند التطلع لفناء أميركا . حيث إذا تعثرت أميركا؛ فليس من المحتمل أن يسيطر على العالم وريث وحيد، بما في ذلك الصين، بما يعني اضطراب دولي، وتزايد في التوتر ما بين المتنافسين العالميين، بل وحتى كنتيجة أكتر احتمالا فوضى تامة .

 فمع أزمة كبيرة مفاجئة في النظام الأمريكي – ولتكن أزمة مالية أخرى – سوف تنتج سلسلة سريعة من التفاعلات، تقود لاضطراب سياسي واقتصادي عالمي، وانجراف ثابت بأميركا نحو انحطاط عام متزايد أو حرب واسعة بلا حدود مع الإسلام، ليس من المحتمل أن ينتج عنها، حتى بحلول 2025 م، وريث عالمي فعال.

فلن تكون هناك قوة وحيدة جاهزة لممارسة ذلك الدور، الذي كان العالم يتوقع أن تمارسه الولايات المتحدة بعد سقوط الإتحاد السوفييتي عام 1991 م، كقائدة لنظام عالمي تعاوني جديد. فالأكثر احتمالا، هو مرحلة طويلة من إعادة التنظيم غير الحاسمة للقوى الإقليمية والدولية، دون فائزين كبار، وبمزيد من الخاسرين، في ظل وضع من الاضطراب الدولي، وحتى مخاطر قاتلة محتملة للسلام العالمي. وبدلاً من عالم يحلم بديموقراطية مزدهرة، سيكون عالماً هوبزياً [1] قائماً على أمن قومي مُعزز، يستند لاندماجات مختلفة لاستبداديات قومية، ثم دينية فيما بعد .

 وقد قدر فعلياً، قادة قوى العالم الثاني، ومن بينهم الهند واليابان وروسيا ودول أوربية أخرى، التأثير المحتمل لانحطاط الولايات المتحدة على مصالحهم الوطنية الخاصة، فاليابان الخائفة من سيطرة صينية حازمة على البر الآسيوي، قد تفكر في صلات أقرب مع أوربا، كما قد يدرس قادة الهند واليابان تعاوناً سياسياً وحتى عسكرياً، في حالة تعثر أميركا وصعود الصين. روسيا المنغمسة في التفكير الحالم – حتى الشماتة – في المآلات المجهولة لأميركا، سوف تكون عينها بالتأكيد على الدول المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق.

وأوربا – غير المتماسكة بعد – من المحتمل أن تنجر في عدة اتجاهات، فألمانيا وإيطاليا سيتجهان نحو روسيا لأجل المصالح التجارية، فرنسا وأوربا الوسطي غير الآمنة في إتحاد أوربي أضيق سياسياً، أما عن بريطانيا، فستتجه لإدارة توازناً ضمن الإتحاد الأوربي، مع الاحتفاظ بعلاقة خاصة مع الولايات المتحدة الآفلة. والآخرون سيتحركون بسرعة لاكتساب مجالاتهم الإقليمية الخاصة : فتركيا في منطقة الإمبراطورية العثمانية القديمة، والبرازيل في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وهلم جرا . لكن لن يكون أي من هذه الدول، على أي حال، لديه التوليفة المطلوبة من القوى العسكرية والتكنولوجية والمالية والاقتصادية؛ ليصبح وريثاً محترماً للدور القيادي لأميركا.

 الصين – المذكورة دائماً كوريثة متوقعة لأميركا – تمتلك نسباً إمبراطورياً رائعاً وتقليد إستراتيجي في الصبر المحسوب بعناية، وكلاهما كان حاسماً في جعلها ناجحة بشكل كبير على مدى تاريخ طويل من عدة آلاف من السنين. لذلك تقبل الصين بحكمة بالنظام الدولي الحالي، حتى إذا كانت لا تعتقد في التراتبية السائدة كوضع دائم، فهى ترى أن النجاح لا يعتمد على الانهيار الدراماتيكي للنظام، بل على تطوره نحو إعادة توزيع تدريجية للقوة.

وعلاوة على ذلك، فالحقيقة الأساسية هي أن الصين لازالت غير جاهزة بعد لتلعب بشكل كامل دور أميركا في العالم، وقادة بكين أنفسهم أكدوا مراراً، على أنه في كل مقياس مهم للتنمية والثروة والقوة؛ يبقى أمام الصين عدة عقود من التحديث والتطوير من الآن، وبفارق ملحوظ خلف، ليس فقط الولايات المتحدة، بل أيضاً أوربا واليابان، وذلك في المؤشرات الرئيسية للحداثة والقدرة الوطنية كمتوسط للفرد . ووفقاً لذلك، فقد مُنع القادة الصينيين من طرح أي ادعاءات علنية بخصوص القيادة العالمية.

وعلي أية حال، ففي مرحلة ما قد تصعد قومية صينية حازمة؛ لتدمر مصالح الصين الدولية، فبكين القومية المختالة ستوحد بغير قصد تحالفاً إقليمياً قوياً ضدها، فلا أحد من جيران الصين الرئيسيين – الهند واليابان وروسيا – مستعد للاعتراف بأهلية الصين لموقع أميركا كطوطم العمود العالمي. إنهم حتى يمكن أن يسعوا لمساندة من أميركا الآفلة لموازنة صين حازمة جداً، الصراع الإقليمي الناتج سيكون حاداً، خصوصاً مع نزعات قومية مماثلة لدى جيران الصين. ويمكن لمرحلة من التوتر العالمي في آسيا أن تترتب على ذلك؛ فآسيا القرن الحادي والعشرين، يمكن أن تبدأ في مشابهة أوربا القرن العشرين، عنيفة ومُتعطشة للدماء.

 وفي نفس الوقت، فأمن عدد من الدول الأضعف، الواقعة جغرافياً بجوار قوى إقليمية كبرى، يعتمد على الوضع الدولي الراهن، المُستند لتفوق أميركا العالمي، والذي سيكون – آمنها – أضعف بشكل ملحوظ بتناسب طردي مع ذبول أميركا. هذه الدول في هذه المواقع المكشوفة – تتضمن جورجيا، تايوان، كوريا الجنوبية، بيلاروسيا، أوكرانيا، أفغانستان، باكستان، إسرائيل، والشرق الأوسط الكبير [2] – تكافئ اليوم جغرافياً، تلك الأنواع الحيوانية الأكثر عُرضة لخطر الانقراض في الطبيعة. ومصائرهم مُرتبطة بشكل وثيق بطبيعة البيئة العالمية التي ستخلفها ورائها أميركا الذابلة، سواءاً أكانت مُنظمة ومضبوطة، أو كما هو أرجع بكثير، أنانية وتوسعية .

وقد تجد أميركا المتعثرة أيضاً شراكتها الإستراتيجية مع المكسيك في خطر، فقد سكنت لحد بعيد مرونة أميركا الاقتصادية واستقرارها السياسي من العديد من التحديات المطروحة بسبب قضايا هذا الجوار الحساس، مثل الاعتماد الاقتصادي والهجرة وتجارة المخدرات. كما أن هبوطاً في القوة الأمريكية، من المحتمل أن يقوض على أي حال، من صحة وجودة حكم أنظمة الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية. وولايات متحدة ذابلة، ستكون على الأرجح أكثر قومية، أكثر دفاعية بشأن هويتها الوطنية، وأكثر برانوية بخصوص أمن أراضيها، كما ستكون أقل استعدادا للتضحية لأجل تنمية آخرين. وتدهور العلاقات ما بين أميركا المُنهارة والمكسيك المُضطربة داخلياً، قد يؤدي لصعود ظاهرة مشئومة بشكل خاص : إنها ظهور – كقضية رئيسية للسياسات المكسيكية القومية المُثارة – مطالبات إقليمية مُبررة بالتاريخ، ومُشتعلة بالحوادث الحدودية.

 ونتيجة أخرى للهبوط الأمريكي، هي احتمالية تآكل الإدارة التعاونية العامة للمشاعات العالمية والمصالح المشتركة، كالممرات البحرية والفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني والبيئة، تلك التي تمثل حمايتها ضرورة للنمو طويل الآجل للاقتصاد العالمي، ولاستمرار الاستقرار الجيوسياسي الأولي. وتقريباً في كل الأحوال، فإن غياب محتمل لدور أمريكي بناء ومؤثر سيكون مقوضاُ بشكل قاتل، للاتفاق الدولي الضروري لمجلس العموم العالمي؛ لأن التفوق والوجود المُطلق للقوة الأمريكية، يخلقان النظام، حيث عادة ما سيكون هناك نزاعاً. لا شيء من هذا سيحدث بالضرورة، ولا القلق من تدهور أميركا يولد عدم أمن عالمي، ويعرض للخطر بعض الدول الضعيفة، وينتج جيرة أمريكية شمالية أكثر اضطرابا، لا شيء من هذا يمثل حجة لسيادة الولايات المتحدة عالمياً، ففي الحقيقة، إن التعقيدات الإستراتيجية للعالم في القرن الحادي والعشرين، تجعل مثل هذه السيادة مستحيلة الإدراك، لكن أولئك الذين يحلمون اليوم بانهيار أميركا، على الأرجح سيأسفون له، فإذا كان مُتوقعاً للعالم بعد أميركا، أن يكون معقداً ومضطرباً بشكل متزايد؛ فإنه من الضروري على الولايات المتحدة أن تتبع رؤية إستراتيجية جديدة مناسبة لسياستها الخارجية، أو تبدأ بإعداد نفسها لمنزلق خطر من الاضطراب العالمي.

——————-

 [1] نسبة للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، صاحب مقولة “حرب الجميع ضد الجميع“.

 [2] هو المفهوم الذي ابتكرته السياسة الخارجية الأمريكية في فترة رئاسة جورج دبليو بوش، ويقصد به الشرق الأوسط كما هو معروف في الأدبيات الاستعمارية الإنجليزية القديمة، مُضافاً إليه بالأساس إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان.

القيادة، مُحاولاً تقديم صورة سيئة لعالم ما بعد أميركا، نتيجة لغياب السطوة الأميركية، مُتجاهلاً عن عمد، أن ما يسميه بفوضى النظام العالمي بعد أميركا، ما هى سوى المرحلة الإنتقالية، والفوضوية بالضرورة بحكم إنتقاليتها ذاتها، تلك الإنتقالية الطبيعية ما بين ترتيبين مختلفين للحالة العالمية، ومتحايلاً على التاريخ الذي يؤكد أن إعادة الترتيب الإستراتيجي عالمياً، دائماً ما تتم لحساب الأطراف الأكثر إنتاجية، وبالتالي تقدمية، كما أن الحدود وحتى الدول ليست أشياءاً مُقدسة في ذاتها، بل هى نتاجات ضرورات مُستقبلية، سياسية وإقتصادية وإجتماعية…إلخ، تماماً كما هى تراكم تاريخي !!

ترجمة : مجدي عبد الهادي

Print Friendly
This entry was posted in شؤون دولية. Bookmark the permalink.