إنكار الجسد الأنثوي

مي جبران 

“عندي جسد”. والأفضل: “أنا جسدي”. كم هو غريب ومجهول هذا الجسد الذي نحمله – الذي هو أنا، أنتِ، أنتَ. هو خيالي، هُوامي. هل نحن داخله أم خارجه؟ نحمل في ذاتنا مشاعر الجسد وحدوده. هو الذي يحتوي حياتنا؛ لكننا نجهل بأن جسدنا هو حياتنا. كأننا نؤكد ذاتنا دائمًا خارج و/أو في غير أجسادنا.

يُبنى “أنا الجسد” moi corporel، حسب شيلدر Shilder، من خلال حاجات الشخصية؛ وهناك نشاط دائم يحدِّد أنا الجسد، وهو الاختيار والرفض. إن صورة الجسد تنمو وتتغذى وتغتني من التجارب العديدة التي تتأثر بالعلاقة مع العالم والمحيط الخارجي.[1] تؤكد ف. دولتو أن “صورة الجسد هي لاوعيه”؛ وبعبارة أخرى، أن صورة الجسد تخص كلَّ فرد، وتتعلق بقصته هو بالذات، وتتعلق بالنزوات الليبيدية وتفاعلها مع الأنا. وهذا يعني أنه توجد علاقة جدلية بين الهو das Id والأنا. إذًا هي خلاصة حية لتجاربنا الانفعالية، التي تُكتَب على أجسادنا أو تُحفَر عليها، مع تجارب الرغبة والحاجة، بحسب تقويمها.

تُبنى صورة جسدنا وتتطور من خلال النرجسية. وهذا ما سمَّاه فرويد، في المرحلة الطفلية، “النرجسية الأولية”، وفسَّره بأن الليبيدو لها توظيف في الجسد. صحيح أنها واحدة، لكنها غير جامدة: تتغير. أحاسيسنا ومشاعرنا كلُّها تساهم مساهمة مستمرة في خلق “صورة الجسد”. وتوجد علاقة وثيقة بين صورة الجسد والأنا، وبين الأنا والعالم؛ وتتغير هذه الصورة بحسب الصيرورة النفسية.

هكذا يدرس التحليل النفسي كيفية انعكاس العالم والحياة في جسد الفرد. الجسد هو تعبير دائم عن الأنا وعن الشخصية وهو في العالم. لماذا عندما نتلفظ بكلمة “جسد” نرى الوجوه تتكلم؟! انتبه! ممنوع الاقتراب، إنه محرم! عن أيِّ جسد نتكلم؟ بشكل عام، نعتقد أنه يجب إنكار الجسد. هذا ما أدخلتْه الأديانُ في لاوعينا ووعينا: الجسد يختلف عن الروح التي هي بعيدة عنه: هي، في ماهيتها، إلهية وأبدية، والجسد شهواني يموت. ومن بعدها ساهمت الثقافات والحضارات والتطور الشخصي في بناء اللاجسد non-corps، من خلال الضغوط الإنسانية، حتى سيطر الذهن والفكر. كيف نحدد الإنكار؟ الإنكار déni هو وسيلة يلجأ إليها الشخص الذي يبوح بإحدى رغباته أو أفكاره أو مشاعره التي كانت مكبوتة حتى تلك اللحظة، ولكنه يستمر، في الوقت نفسه، في الدفاع عن نفسه من خلال إنكار تبعيَّتها له. لقد خصَّص فرويد مقالة تشرح “البعد اللاواعي للإنكار” (1925). يتم الوعي بالمكبوت، في أثناء العلاج، عندما يقول المحلَّل: لم أفكر هكذا، أو في صورة أفضل، لم أفكر بهذا قط. “حيال غياب العضو الذكري عند البنت ينكر الأطفال هذا النقص، ويعتقدون، رغم ذلك كلِّه، برؤية عضو ذكري… إذًا هناك إنكار وجود أعضاء تناسلية أنثوية تحت وطأة قلق الخصاء. هنا ينكر الفرد الرؤية الواقعية ويرفض الاعتراف بغياب القضيب عند المرأة.” (قاموس التحليل النفسي) استعمل فرويد هذا التعبير لكي يتكلم على إنكار الواقع ونفيه، أي رفض رؤيته كما هو. ينفي إنكار الخصاء عند الطفل الذكر الذي هو أساس الإنكار وكلِّ أنواع إنكار الواقع الأخرى. فرويد يقول بأن الليبيدو ذكرية أو حيادية. الطاقة تميل إلى جهة الرجل؛ إذ لا توجد إلا libido واحدة، وهي ذكورية. كما أنه يحدد الإنكار بـ”رفض الواقع، وهو أسلوب دفاعي يتخذ شكل رفض اعتراف الشخص بواقعيته. إدراك ذو تأثير رضيٍّ، يتمثل أساسًا بواقع غياب العضو الذكري عند المرأة”.

إن قصة الجسد طويلة وصعبة أصلاً. فكيف إذا حاولت أن تتلمس الجسد الأنثوي المكبوت، المُنْكَر والمنفي. ما هي علاقة الجسد الأنثوي بالطبيعة الإنسانية؟ إنه طبعًا يعني الحياة، وهذا يعني الإنسان. من هو هذا الإنسان؟ إنه حيادي، عالمي، لا جنسي asexué. أما إذا فحصنا لغويًّا عن معنى الإنسانية، تبيَّن لنا بأنها طبيعة ترضخ للمفاهيم الذكورية من ناحية المحتوى والمعنى، واللغة أيضًا.

الأنوثة هي العدم Néant، لأنها السلبي بالنسبة إلى الذكورة؛ لكنْ من العدم يولد الوجود! فإذا كانت المرأة–الأنوثة تحتِّم استحالة التفكُّر فيها، لا يُعقَل إذًا أن توجد كامرأة؛ إنها منفية، مُنكَرة. كيف يمكننا أن نفسِّر السلبي، وبأيِّ معنى؟ – إلا من خلال ما لا تملكه. وهذا ما يعود بنا إلى نظرية فرويد عن غياب القضيب (الخصاء).

لا، لا! سأتكلم بلغتي الخاصة من منطلق مختلف، بعيدًا عن التكرار وعن كلِّ ما قيل من قبلُ، وما هو إلا صدى للآخر، له، لأفكاره. هل كان يجب أن يكون الكلام والفكر والتحليل دائمًا ذكوريًّا، مهيمنًا على أقوالنا وتعبيراتنا؟ اسمحوا لي أن أقدِّم لكم هذا البحث حول الجسد الأنثوي، المُنكَر والمنفي حتى الآن. طبعًا سأحاول، لأنني لم أجد حتى الآن دراسة تطاول جسد الأنثى من زاوية الإنكار و/أو النفي، حتى تصل المرأة نفسها إلى أن ترفضه. كما رأينا سابقًا، كلُّ ما يتعلق بصورة الجسد والإنكار يبقى على المستوى اللاواعي ويطاول خاصة الجسد الأنثوي المكبوت.

أفتش طبعًا عن قول – عن كلام – لأعبِّر عن هذا المكبوت الذي يطاول جسدي الأنثوي. هل سأفشل في الحديث، كما تقول مونترولايMontrolay، لأن الجنسوية الأنثوية لم تُكتشَف بعدُ، وهي تحمل في طياتها “الفشل في الخطاب”. هذا يعني أن الإنكار للجسد الأنثوي يؤثر على خطابنا، على قولنا الغائب، مثل أجسادنا. يقول لاكان Lacan: “لا توجد إلا امرأة مستبعَدة عن الأشياء، وهي طبيعة الكلام… بكلِّ بساطة، لا يعرفن ماذا يقلن؛ وهنا يكمن الفرق بيني وبينهن.” سأنتبه خلال هذه المحاولة للقول الأنثوي، لئلا أنزلق من جديد نحو التيار النَّسَوي féministe الذي يرفض الاختلاف بين البنت والصبي من حيث الآثار النفسية للفروق التشريحية؛ وهذا ما يعني إنكار جسد المرأة. فتابعات هذا التيار غالبًا ما يبتعدن كلَّ البعد عن الأنثوي، أي حتى رفضه. (وأيضًا لئلا تجرني وجهة النظر الذكورية عند فرويد.)

إلى أيِّ مدى سأتمكن، من خلال حديثي، من ألا أعيد الخطاب الذكوري، أن أفلت منه، مع أنني مجبرة على الرجوع إليه لكي أوصِل لكم ما أريده، ولأنه لا يوجد بعدُ نظام يمكن لي أن أستعمله خارج النظام الرمزي الأبوي السائد. عندما أتوجَّه إليكم لا يمكن لي إلا أن أرضخ للكلام وللُّغة السائدة المسيطرة. لكنني سأحاول – كامرأة – أن أفكر تفكيرًا مغايرًا، بجسد مختلف. لكن بما أن جسدي مُنكَر، لا أجد لغة، ولا فكرًا، خاصين بي. إني أتخبط!

أشعر وكأني أدور حول ذاتي – أنوثتي الغائبة – لأفسر جسدي اللاموجود، المُنكَر، المرتبط بالجسد الرمزي. لا يمكنني الخروج إلا بالعودة إلى طفولتي كأنثى. كيف تربيت؟ ماذا جرى لكي تتوصل الفتاة إلى رفض جسدها وإلى اعتباره خصمًا لها، وحِملاً ثقيلاً مليئًا بالمشاكل المتعبة، لا تتجرأ على أن تتركه يعبِّر عن اللذة؟! – ترفضه.

كيف تُبنى صورةُ الجسد عند الأنثى؟ ماذا يلقِّنها المحيط والعالم، كما يقول شيلدر؟ إنها ليست نهائية، تنمو وتبنى وتتغير. إذا تتبَّعنا نموَّها في مراحل حياتها كلِّها، سنرى أن القوانين الدينية والمدنية كلَّها تُسَنُّ دائمًا وفقًا لجسد المرأة، لكي لا يعبِّر، لكي يُقمَع جنسيًّا على جميع الأصعدة: في اللباس، مثلاً، الذي يُفرَض عليه الحجاب أو العري؛ فهو دائمًا بحسب رغبة الرجل وقناعاته. المرأة غير مسؤولة عن جسدها، وليست حرة في التعاطي معه كما تريد. فهي تارة تغريه، وهي طورًا لا تغري الرجال، بل زوجها الذي يملك جسدها. ومن بعدها ستنمحي، إذ تنفي رغباتها الأنثوية لإشباع الرغبات الذكورية. لا يوجد الجسد الأنثوي إلا للآخر: الأب، الزوج، الطفل. هذا يعني أن الأدوار التي يُسمَح لها بأن تلعبها، أي تُفرَض عليها اجتماعيًّا، لا تتعدى الثلاثة:

- العذراء: غير موجودة في حدِّ ذاتها، مبتورة رغبتها؛ تبقى ملك الأب الذي تحمل اسمه وشرفه؛ لكنها تحمل قيمة التبادل بين الرجال، كونها بضاعة مرغوبة.

- الأم: وهي آلة للإنجاب، تحمل اسم الزوج ولا تصلح للتبادل بين الرجال: لم تعد بضاعة.

- العاهرة: موجودة ومقبولة قبولاً ضمنيًّا، لكنها مرفوضة من النظام الاجتماعي؛ قيمتها في جسدها الذي يصلح للتبادل.

إذًا لا يحق لها أن تشعر باللذة في الحالات الثلاث. فكيف تبني صورتها عن جسدها، عن ذاتها؟!

“البنات هَمُّنْ لا يبات، ولو كانوا ستَّات فوق المرتبات.”

مثل لبناني

“جابت بنت وسمُّوها نصطه.” إن هذا المثل يعني أنها غير مرغوب فيها. عندما يولد الصبي تفرح كلُّ الأسرة وتتكاثر الأعياد. تؤثِّر الأمثال الشعبية تأثيرًا لاواعيًا على صورتها عن ذاتها. يلعنون ولادة البنت، ويفضلون الصبي – حتى ولو كانت ملكة. والأمثال كثيرة: “المذلة ولادة البنت، ولو مريم العدرا”، “غنِّج حية، ولا تغنج بنيَّة”…[2] منذ ولادتها تشعر، من خلال النظرات (حتى ولو لم يعبَّر عنها تعبيرًا مباشرًا) بالفرق بينها وبينه. هناك تقويم واضح من خلال الطقوس التي تُفرَض عليها والممنوعات التي تطاول جسدها: “اقعدي منيح”، “لا تتحركي”، “وطِّي صوتك”، إلخ.

منذ طفولتها تعيش مأساة لأن جسدها لا يشبه أحدًا: لا تملك لا قضيب الأب ولا جسد الأم (ثديين، ردفين…)، وكأنها لا تتميَّز بشكل جنسي. هي لعبة، عضوها الجنسي منفي، مُلغى، مخفي، لا نراه ولا تراه. كلُّ شيء يبدأ من هنا – هو إنكار الأنوثة، أي الجسد الأنثوي. وهذا يعني، بحسب المفهوم الفرويدي، إنكار المهبل، لأن القضيب ناقص، غير موجود. فلكي تحقق أنوثتها يجب أن تمرَّ بمراحل مهمة، وهي: ترفض نشاطها الجنسي الذكوري، بحسب فرويد، فتتجه نحو الأب وتترك موضوع حبِّها الأول، الأم؛ من سادية تصير مازوخية، ومن ناشطة تصير متلقِّية، وتقبل بعقدة الخصاء: من فاعل تصبح مفعولاً به.

لن أدافع عن نظرية فرويد عن مفهوم الأنوثة، بل سأحاول أن أصف الواقع المرير الذي يحيط به والذي فرضته الأديان والقوانين والمعايير الاجتماعية على الأنثى. إنها ثقل موروث موجود في لاوعينا، نساءً ورجالاً. القوانين الدينية والمدنية تفصَّل على جسد المرأة، وتهدف دائمًا إلى نفيه وقمعه على جميع الأصعدة. تنشأ غربة بينها وبين جسدها هذا؛ لا تستجيب لمتطلَّباته، تنكره وترفضه. هكذا يصبح التعبير عن الرغبة معدومًا، ولا تعود تتمكن من أن تعيش حياة جنسية بعد الزواج؛ تصبح باردة، لا تشعر باللذة (لا رغبة = لا لذة). جسدها، كما نرى، يسهل امتلاكه، كونه مروضًا ومعتادًا على الرضوخ. هكذا يتحكَّم الرجل بجسد المرأة كما يطيب له. تاريخيًّا هو الذي يحرِّم ويمنع داخل الأسرة، ويحق له أن يتملك جسدها، كما ورغبتها وعملها…

تُبنى صورة جسدها وذاتها في شكل واعٍ ولاواع. هل تشعر المرأة منذ ولادتها بأنها فعلاً مسجونة، كما تقول سيمون دو بوفوار S. de Beauvoir؟ كما أنها لا تحظى، مثل الصبي، بالاهتمام بأعضائها التناسلية؛ بمعنى آخر، لأنها لا تملك العضو الجنسي. تتربى الفتاة بالـ”لا” – بالسلب وبالنفي – عكس الطبيعة. تراقَب دومًا؛ وممنوع عليها الخروج إلى الشارع.

- لا تركبي دراجة ولا حصانًا!

- ماما، هل أفقد عذريتي؟!

عند البلوغ تبدو جاهلة لما يتحوَّل في جسدها. تعرف فقط أنها يجب أن تستر فخذيها عندما تجلس، وأن لا تتكلم، وأن تَسكت، وتُسكِت غرائزها ورغباتها الجنسية. تُربَّى بهدف أن تصبح أمًّا صالحة تحت الضغوط والممنوعات والحرمان. لا يحق لها أن تكون أنثى، امرأة، بل تتنقل من العذرية إلى الأمومة، دون أن تأخذ نَفَسًا. هي ليست امرأة بكلِّ معنى الكلمة. لا تشعر بأنها ممتلئة إلا عندما يأتي الصبي: فهو الذي يجرِّدها من جسدها ومن ذاتها؛ حتى إنها تفقد هويتها وتصبح “أم فلان”!

هكذا تتلقى الفتاة تربية مليئة بالإحباط والكبت والإنكار لجسدها الأنثوي منذ ولادتها. تتقبَّل الأم، من خلال جسدها، طفلها، وفي شكل لاواع، كلَّ المفاهيم والمعايير. “الحوار الحقيقي هو الحوار القديم مع الأم.”[3] فإذا كانت الأم اللبنانية ترفض جسدها، فكيف ستنقل لابنتها حقَّ التمتع واللذة؟ هكذا تأخذ البنت الصغيرة الممنوعات والمحرمات من خلال لمسات الأم، أولاً؛ ومن بعدُ، من حديثها عن الجسد: “تتم التربية من خلال تحركات الجسد وليس الكلام فقط.”[4] ولا تُحضَّر المراهقة لفهم وظائف أعضائها التناسلية. لذا، عندما تبلغ، تشعر بخوف وخجل وتتقوقع، وكأن دم الحيض هو تكفير عن ذنب اقترفته. هذا ما عبَّرت بعض النساء من العيِّنة[5]: “قالت لي أمي: سترين يومًا دمًا… لا تخافي، إنه وسخ.” (رولا، 25 سنة) “خفت، ما كنت بعرف شي. قالت لي أمي: لا تخبري حدا إنها إجتك، وبس…” (حنان، 23 سنة) “هذا دم! لأنك بتعذبيني الله جازاك: إنه دم وسخ يخرج منك.” (بلندا، 27 سنة)

إن دم المرأة هو دلالة على التابو، لأن المحرَّم الذي نزل على المرأة في فترة الحيض هو أول تابو رآه الإنسان من حيث النموذج وأساس المحرَّمات كلِّها: “ويسألونك عن المحيض قُلْ هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن…” (سورة البقرة 222).

هكذا تعيش الفتاة (مسلمة كانت أو مسيحية) فترة المراهقة بجسد غير مقيَّم، محرَّم، مليء بالذنب، ترفضه لأنه يصبح عليها عبئًا. لا تفهم ماذا يجري لها. فإما أن تبدأ بأخذ الوزن لأنها تلجأ إلى الأكل بشراهة، أو بالعكس ترفضه حتى تصير قَمِهة anorexique. وهذه حالة المراهقات حاليًّا، يرفضن أجسادهن الأنثوية. هل يمكننا تفسير هذه الظاهرة إلا من خلال رفض التغيير الفسيولوجي في البلوغ وبروز علامات الأنوثة. لقد تعودت منذ صغرها ألا يُعترَف بها كجسد أنثوي؛ تود أن تبقى البنت الصغيرة، ترفض مفاهيم الجمال والأنوثة كلَّها، وتعيش بحسب مفاهيم تساعدها على الهروب من أن تُرغَب. لذا نرى أن هذه المراهقات يَمِلْنَ غالبًا إلى الانتحار، ويعتبرن أن الجسد هو مكان للاستلاب من خلال نظر الآخر.[6]

كيف يتم التحضير للزواج؟ يبدأ بالرضوخ للممنوعات والمعايير الاجتماعية والدينية في مجتمعنا اللبناني، التي تفرض عليها العذرية، أولاً، وعدم إقامة علاقات جنسية أخيرًا. هكذا عبَّرتْ بعض نساء العينة:

“من وقت ما كان عمري 3 سنوات وأنا عم أسمع: لازم البنت تحافظ على حالها قبل الزواج… أنا ضد، لكن… العذرية مرتبطة بشروط اجتماعية. في بنات تقطب حالها… أنا بعرفهم.” (رولا، 25 سنة) “يفتش الشاب اللبناني الخبيث على بنت عذراء، لذا أخاف أن أعطيه نفسي قبل الزواج.” (بلندا، 27 سنة) “إذا خسرتها قبل الزواج أُعتبَر وسخة؛ العذرية مهمة جدًّا.” (سامية، 22 سنة) لقد عبَّرتْ غالبية الشابات بأن الجنس وسخ، مقرف، مخيف، عيب، مزعج، ضد الطهارة. ماذا يبقى إذًا من الجسد الجنسي/الأنثوي؟

“الجنس شيء مقرف ووسخ، لا يخيفني…” (جين، 23 سنة) “أعرف الشاب اللبناني: يرفض البنت الفاقدة بكارتها؛ لهيك بخاف.” (ناهدة، 22 سنة) “أول بوسة قرفتني وزعجتني…” (ج.، 28 سنة) “لقد تألمت أول مرة، خفت من الدم.” (ناديا، 24 سنة). “تزوجت وعمري 22 سنة، وكنت أقرف من الجنس.” (هبة، 27 سنة)

هناك رفض للجسد الأنثوي من كثرة الضغوط التي تمارَس على الفتاة. فهو يجب أن يكون صالحًا للإثارة، إنما ليس الآن؛ هو يحضَّر للإنجاب فقط. جسدها الأنثوي ليس لها، هو ملك والدها، المسؤول عن شرف الأسرة؛ ومن بعده ملك الزوج الذي تحمل اسمه.

 “المرأة بكاملها تابو.”

فرويد

يبدو أن مجابهة موضوع الجسد الأنثوي والكلام عليه أمر خطير، لأنه يطاول المحرَّم والمكبوت. والكلام على الجسد الأنثوي مُنكَر، كما هي حال جسدها داخل النظام الذكوري. إنه غائب، لكنه جامد وأسير للذكوري، مع أنه يتنقَّل بين الأنوثة والذكورة.

هل الأنثوي هو اللاموعي واللامُقال؟ نعم، مادام الجنسي مكبوتًا، لكونه ممنوعًا ويطاول الجسد الأنثوي الذي هو المنفي، الناقص، وإذًا، اللاذكوري. يقول فرويد إنها ليست رجلاً لأنها لا تملك القضيب؛ إذًا هي ناقصة، مخصية، وهي “القارة السوداء” Continent noir. تحدَّد الأنوثة بهذا النقص. ويزيد لاكان Lacan ويؤكد: “المرأة غير موجودة.” هكذا يمكننا أن نرى كيف أن الأنثوي مُنكَر، منفي من اللغة التحليلية مثلاً: الأنا الأعلى، اللذة، التصعيد، الليبيدو، إلخ –

جميعها مفاهيم ذكورية.

لقد حان الوقت لأن نقول عن ذاتنا، عن أنوثتنا، عن أجسادنا. سكتنا طويلاً، ودفعنا الثمن غاليًا كي نترك للآخر أن يحدِّدنا من خلال هُواماته الذكورية. تبين حتى الآن بأن للذكوري هدفًا هو: سَجْن الأنثوي وخنقه. جاء دورنا كي نحدِّد ذاتنا وحدنا دون مساعدتهم – خصوصًا نحن النفسانيات والمحلِّلات؛ هذا هو دورنا: كتابة أخرى وتأويل آخر مغاير. لماذا مسموح للرجال فقط أن يصنعوا ما يريدونه بالجسد الأنثوي: يتبادلونه في الإعلام والإعلان ويوم الزواج، وكأنه بضاعة تُباع وتُشترى، بضاعة للاستهلاك الجنسي والاقتصادي، يعرِّيه ويغطيه، بحسب رغباته، من خلال الموضة. أين هو الجسد الأنثوي؟ كيف تبدو صورته في الإعلام؟ إنه الجسد–اللعبة الذي يبقى أسيرًا لهُوامات fantasmesالرجل. إنه ينكر الجسد الواقعي، ويستبدل به جسدًا هُواميًّا ناتجًا عن تمثلاته اللاواعية التي غزتْها وسائل الإعلام ونزواتُه الليبيدية. هكذا ينفي وجود الجسد الأنثوي وينفي رغبته. كيف ستقبل المرأة جسدها عندما تعيش برغبة متواصلة، وهي أن تشبه هذه اللعبة–الصنم التي تكون قد خلقت عندها شعورًا بالدونية؟

إن الجسد الإعلاني هو للنظر، وليس للمسِّ والحب؛ إنه خالٍ من المشاعر. لكن المرأة، بخضوعها لهذا المقياس، تدمِّر ذاتها، وترفض جسدها، أو تصبح مهووسة بجسدها. هكذا يسهل السيطرة عليها لأنها معقدة.

ماذا يجري للسير الرمزي الذي ينصُّ عليه المجتمع إذا لم يُستغَل الجسد المادي لدى النساء؟ هل سيتحول مع المجتمع أيضًا إذا تحولت النساء من بضاعة استهلاك أو تبادل إلى أفراد تتكلم؟ ستتغيَّر المفاهيم الاجتماعية وعلاقتها بالجسد الأنثوي، باللغة، بالرغبة، لأن النموذج “الفالوكراتي” (سيادة الرجال الرمزية ممثلَّةً بالقضيب phallus) الذي يضع القوانين ويسنُّها سيهتز.

إن كلَّ المنظرين عن الجنس والجسد هم من الذكور، وطبعًا أطباء، إذًا رجال علم. يمارسون رعبًا حقيقيًّا وعنيفًا على الأجساد الأنثوية. إن الجنسوية sexualité التي يعترف بها علماء الجنس هي جنسوية ذكورية. إن خطابهم متحيِّز ضد النساء misogyne. يؤكدون على أن المرأة لا توجد عندها جنسوية؛ أي أنها مُنكَرة، لأنها لا تتمتع برغبة إلا تلك التي تستجيب لرغبة الرجل. وفي حال عبَّرت عنها تصبح رجلاً. فلنسمعهم: كرافت إبنغ Kraft-Ebbing: “إن النساء المجنونات هنَّ وحدهن اللواتي يعرفن اللذة.” (إنه يقصد هنا المنحرفات والمريضات.) ويقول أيضًا: “إن هذا الرضوخ للرجل طبيعي؛ منحتْها [أي المرأة] الطبيعة هذا الدور السلبي والمتلقِّي.”

إن لغة علماء الجنس تكون غالبًا مبهمة، متحيِّزة، غير واضحة وذاتية. انهم ينكرون كليًّا الفروق الجنسية، كما ينكرون أيضًا خصوصية النساء في أجسادهن الجنسية sexué. الدكتور هيرشفيلد Dr. Hirshfield: “إن الرغبة في الاغتصاب كامنة في ما قبل الوعي عند الكثيرات، وخاصة الهستيريات.” لقد جعلها العلم مريضة إذا رغبت في اللذة أو شعرت بها. هكذا توصف النساء بأنهن مريضات وشريرات، متلقِّيات، دونيات، خبيثات ومجنونات. الدكتور زوانج Dr. Zwang: “النساء مريضات، عضوهن الأنثوي مريض؛ لذا يجب أن يكنَّ جميلات وموضوع جنس مثالي.”

لماذا يُسمَح للرجل بأن يتكلم عن قدرات هذا الجسد في الحياة الجنسية علميًّا، وأن يُنظِّر ويُعمِّم، كأنه هو وحده يملك مشاعر المرأة وأحاسيسها ولذتها. هو رجل علم؛ أما هي فممنوع عليها أن تتكلم، أن تبحث عن ذاتها الأنثوية، التي تظل مشوَّهة، كما صورة جسدها وحياتها الجنسية، مادامت لم تشارك هي في تحديدها ودراستها. هو وحده يشرِّع ويحدد كيف ومتى وإلى أيِّ حد؟ “ثمة أسئلة حميمة لا تُسأَل” – هذا ما قيل لي وما تعرضتُ له، كوني امرأة تريد أن تدرس الحياة الجنسية الأنثوية. ممنوع، لأنه شيء معيب، لا بالأحرى مخيف! وردَّدتْ النساء المكبَّلات داخل النظام الأبوي الفالوكراتي السائد: نعم، وشاطَرْنَه الرأي.

لا وجود للأنثوي إلا داخل نماذج نَصَبَها الذكر/الأب. نراها أحيانًا مجردة فعلاً من أنوثتها، بعيدة عن ذاتها، وحتى عن النساء الأخريات، من كثرة لجوئها إلى النُّظُم الذكورية.[7]

 “توجد لذة لها… لهذه الغير موجودة التي لا تعني شيئًا.”

لاكان

لقد مارس حقَّ التملك لهذا الجسد خلال قرون، حتى لم تعد توجد رؤية حرة للمرأة عن ذاتها، كونها أدخلت في لاوعيها النماذج والمفاهيم الذكورية، وصارت، بدورها، بعيدة عن أنوثتها، غريبة عن ذاتها، تعيشها فقط ضمن الصورة التي رَسَمَها الفكرُ المسيطر والسائد. هكذا نفهم كيف توصلتْ لأن تنكر ذاتها دون أن تعي. يمكننا أن نكتشف من خلال الواقع الثقافي (الروايات، القوانين، القول…) أن الأنثى موجودة في المخيِّلة الذكورية الجنسية فقط كداعم للهُوام عند الرجل.

إن جسدها يرضخ لرغبة لا تملكها؛ وهذا ما يجعلها تابعة للرجل، لا تعرف ماذا تريد، حاضرة لتلبية أيِّ طلب من طلباته، شرط أن يأخذها كموضوع للذَّته (شيء). هي لا تقول ماذا ترغب. إنها تجهل أو أكثر من هذا. إن رغبة الأنثى ممنوعة؛ لذا فهي مختلفة عن رغبة الرجل ولغته، لأنها مغطاة بمنطق واحد يسيطر على العالم الحالي منذ الإغريق.

تقول فاتنة عيط صباح: “إن الحديث الإيروسي هو تصوُّر ذكوري محض يعبِّر عن الرغبة الأنثوية. تستمد الأنثى رؤية العالم من الذكر لأن الذكور يُسقِطون كلَّ ملذاتهم ورغباتهم على العالم الأنثوي.”[8] لا يوجد جسد داخل هذا المنطق الواحد إلا لكي يُنظَر إليه بعيدًا عن الإيروسية الأنثوية (الرقص الشرقي). إن لذة المرأة لا ترتبط بالنظر، إنما باللمس؛ وهذا ما يجعلها مازوخية. تؤكد هيلن دويتش H. Deutsch: “المازوخية هي من أهم مفاتن المرأة وضرورية للذَّاتها؛ فالمازوخية منقوشة في ماهية الأنوثة.”

يمكننا من خلال المعيش الجنسي عند النساء، ومن خلال التجربة العيادية، أن نبرهن بسهولة على أن الألم الفسيولوجي التي تعبِّر عنه في أثناء “فض البكارة” ليس هو منبع للذة: “أول مرة، عندما دخل فيَّ، شعرت بألم… منذ ذلك الوقت وأنا لم أصل إلى الرعشة… أخاف من اللذة.” (سامية، 29 سنة، متزوجة) “شعرت بألم أول فترة مع زوجي… وهذا ما أثَّر عليَّ في العلاقات بعدين… بتعرفي كيف…” (ناديا، 21 سنة، متزوجة) “لقد عشت فضَّ البكارة وكأنها مأساة… تألمت جدًّا… كان عمري 30 سنة… بعدين مشي الحال.” (وردة، 35 سنة)

لنسمع هذه المرأة تعبِّر عن برودتها وأسبابها (س.ع.، متزوجة، أم ولدين): “يهينني ويضربني وينتقدني بشكل جارح ويُشعِرني أنني ناقصة. أنا بالفعل ناقصة… هذا ما أحسُّه… عندما أفكر بالموضوع بحس إني ناقصة ومش متل العالم… فيِّ نقص لأنني لا أتجاوب معه جنسيًّا… أشعر بقرف… كان يضربني ويغصبني على أن أعمل معه هذا الشيء، ويقول: أنتِ معي… لازم آخذ حقي.” لقد أوصلها شعورها بالنقص إلى رفض الجسد الأنثوي، أي الجنس.

“إن التأكيد على أن المرأة كائن ناقص أو أقل وغير قادر وراضخ للعذاب، وفي الوقت نفسه للجنسوية الذكورية، يبدو أنه مفهوم مرتبط بالميل العالمي للإنكار.”[9] إذًا فقد تربَّتْ المرأة على كبت رغباتها وإنكار جسدها. وبعدما اعتادت على تعذيبه مازوخيًّا من خلال القمع الجنسي، كيف ستتمكن من الزواج، ومن أن تعبِّر من خلاله عن الرغبة، وأن تعيش حياتها الجنسية الطبيعية؟ إنه من الصعب إن تشعر بالإرضاء والإشباع – وهذا ما لمستُه عند غالبية النساء اللبنانيات من خلال العيادة، حيث إن صورة جسدهن الأنثوي غير واضحة، مبهمة، غير موجودة، أو أنها مشوهة، توثِّر عليها التمثُّلات الهُوامية لكي تُبعِد عنها اللذة والحب والرغبة، ولكي تتحول وتنحصر في الحمل والإنجاب.

هكذا ينحصر الجسد الأنثوي لكي يصبح الجسد الأمومي. يتجنب فرويد التمييز بين الأنثوي والأمومي، مع أنه يعتبر بأن “هدف النزوة هو اللذة والإشباع وليس التكاثر”. لكنه يقصد هنا لذة الذكر، لأن النزوة orgasme ذكورية، مثل الليبيدو. يفقد الجسد الأنثوي قدراته على الإحساس باللذة الجنسية، ويصل حتى إلى رفض هذه اللذة ورفض الجنس، لأنه يشكل لها ألمًا وعذابًا، فتصبح باردة. لدى بعض النساء الباردات اعتقاد لاواعٍ بأن العلاقة الجنسية لا قيمة لها إلا للرجل. تؤكد دويتش – وهي طبعًا محلِّلة فرويدية – بأن “الولادة هي في حدِّ ذاتها قمة اللذة المازوخية. الأمهات الصالحات هنَّ أمهات باردات جنسيًّا.” لكن آني أنزيو Annie Anzieu تجيب بأن الأنثوي هو غير الأمومي. وهذا ما نلمسه عند بعض المريضات الذهانيات وفي الاكتئاب، حيث يوجد جزء سلبي عند هؤلاء النسوة يميل إلى إلغاء الحياة، ويأخذ صبغة العذاب واللالذَّة. لكن هناك اضطرابات نفسية وجنسية نصادفها في العيادة، وخاصة عند غالبية النساء في سن الـ45 فما فوق، أي عند انقطاع الطمث، حيث تأتين لأنهن يشكين من حالات عصابية أو اكتئابية. ما هو سبب هذه المشاكل، ولماذا تظهر في هذه الفترة من عمر المرأة؟ طبعًا تعود غالبيتها إلى حياة جنسية فقيرة، وتنجم أحيانًا عن برودة تُترجَم بالرفض للجنس والجسد الأنثوي.

تقول ن.ي.، 45 سنة: “لشو الجنس؟! ما بيهمني… ما خلص كبروا ولادي! هل أصلح بعد لهذه الأشياء؟ ليش هوِّ بشوف جسمي! بقول لي: روحي ضبِّي حالك، عيب عليك تحكي بالجنس. أنا هلَّق فيني أتزوج بنت 20 سنة.” لقد استهلك جسدها كبضاعة تعطي اللذة للآخر وتصلح فقط وعاءً للطفل. وهي…

لا يمكننا أن نضع إصبعنا على هذا الإنكار للجسد الأنثوي إلا من خلال العلاج أو التحليل النفسي الذي يُقرِّبنا من اللاوعي الأنثوي المكبوت عند الجنسي. لماذا العنصر الأنثوي في الثنائية الجنسية هو المكبوت؟ تجيبنا لوس: “لأنه يقلقل نظام العالم والنظام الداخلي.”

عندما تطالب المرأة أو تكتب أو تبحث عن حقِّها في جسدها، في عالمنا المشرقي – وفي لبنان بالذات – تُنبَذ، وتُرفَض، وتُنكَر، وتتحول إلى عاهرة أو ساحرة أو إلى “مسترجلة”. لذا نراها ترضخ وتهرب وتنضم إلى معسكر الفكر الذكوري، لكي يقبلها المجتمع والرجل بدوره.

إن الجسد الأنثوي “محجَّب” في الدراسات والأبحاث العربية، لا يظهر، لأنه يحرك الموضوع الجنسي المخيف، ولأنه يطاول الرجال في ذكورتهم. يتكلم فرويد عن مرضاه الذكور بأنهم يشعرون برعب أساسي تجاه المرأة عندما يصف الصور المقلقة عند رؤية العضو الأنثوي المبتور المخصي.[10] إن جسد المرأة الإيروسي، في هُوام الرجل، هو طاقة إيروسية لا تُشبَع بسهولة؛ وهذا ما أكَّده الشيخ النفزاوي: “المرأة لا تشبع أبدًا… إذا تمَّتْ معها المجامعة ليل نهار لا تصل إلى الإشباع. إن عطشها للمجامعة لا يرتوي…”. “العبقرية الأنثوية غير موجودة، ولا يمكن أن توجد… لا روح عند المرأة… إن النساء خاليات من الماهية والوجود، غير موجودات: هنَّ لا شيء… يجب أن تختفي المرأة كأنثى…” (أوتو فيننغر Otto Weninger).

لا أعرف كيف سأنهي بحثي – وهل لي قولٌ أو كلام وأنا مازلت في البداية؟ هل من مكان لكلامي الأنثوي – اللامُقال الذكوري، الغائب المُنكَر، مثل جسدي الأنثوي؟ هذا ما حاولت فعله: تفكير وبحث وكتابة مغايرة تشبه ذاتي الأنثوية الجديدة – وهي وجه آخر للمرأة التي هي مرآة للداخل للذات الأنثوية: “يوجد حيِّز بين المرأة وذاتها، بينها وبين الأنثوي. وهذا ما أسميه ما بين امرأتين.”[11]

يجب أن نوقف هذه اللعبة بين الداخل والخارج، بين الحجاب واللاحجاب؛ أن نضع إصبعنا على الكامن والمحرَّم، “المحجَّب” الذي نهمله ونغضُّ النظر عنه: جسد المرأة الأنثوي، أي الكلام الأنثوي. لقد تغيرت صورة جسدك! لم تعد اليوم مثل البارحة. إن رغبتك هي المبتورة، وليس عضوك. لا تصدِّقيهم! لقد قَوْلَبونا طويلاً بحسب رغباتهم؛ ونحن دخلنا في لعبتهم، فابتعدنا عن أجسادنا، وعن ذاتنا… حتى إننا رفضنا جلدنا ونسيناه من كثرة ما شلحناه ولبسناه لإعجابهم وإرضائهم وإثارتهم. كلامك–جسدك الأنثوي مثير ومخيف. اجمدي!

لقد نسينا أجسادنا تتكلم وتتردد دائمًا، لأنها تخاف من الخطأ، من الشر. من قال ذلك؟! وبالنسبة إلى أيِّ معيار نتفوَّه بالكلام الصحيح؟ من هنا، قولي بماذا تشعرين. علينا أن نخترع لغتنا حتى لا تتعب أجسادنا من متابعة قصتنا، حتى لا تختفي رغباتنا من كثرة الانتظار والعذاب. إن الذكوري لم يعد هو “الكل”.

لا تقبلي بالحيادية الفكرية! إنها خدعة لأنها ملوَّنة بالهُوام وبالفكر الذكوريين، الذي هو عالم جنسي غير حيادي. ماذا عن مستقبل البشرية إذا حُيِّدت الهوية الجنسية في الاستعمال اللغوي والتواصل؟!

التمايز الجنسي ضرورة لبقاء البشرية، للإنجاب وللحياة (وليس للتمييز)، لخلق حوار بين الأنوثة الجديدة والذكورة، لأن غياب طرف من الاثنين (الأنثوي) يعطِّل اللقاء بين الجنسين.

—————–

[1] P. SCHILDER, L’Image du corps, Gallimard, Paris, 1968.

[2] M. FEGHALI, Proverbes et dictons syro-libanais, Institut d’ethnologie, Paris, 1938.

[3] M. BERNARD, Le corps, Éd. Universitaires, Paris, 1972.

[4] مي جبران، “الشخصية الأنثوية النفس مأزمية”، مجلة مواقف، عددان 73-74.

[5] قضايا المرأة، 1993-1994. (العينة مؤلَّفة من نساء جامعيات.)

[6] C. OLIVER, Les enfants de Jocaste, Denoël-Gauthner, Paris, 1980.

[7] Julia KRISTEVA, Des Chinoises, Paris, femmes, Paris, 1974.

[8] F. AIT-SABAH, La femme dans l’inconscient musulman, Sycomore, Paris, 1982.

[9] A. ANZIEU, La Femme sans qualités, Dunod, Paris, 1989.

[10] « Fétichisme », 1927.

[11] D. SIBONY, Entre-deux, Seuil, Coll. « Points », Paris, 1991.

Print Friendly
This entry was posted in الحجاب, بنات إيزيس and tagged , . Bookmark the permalink.