مختصر تاريخ اليونان القديم

( محاضرة بمركز الإبداع بالإسكندرية)

عبد الجواد سيد عبد الجواد

يعتبر تاريخ اليونان القديم من أهم مراحل التاريخ الإنسانى وذلك للإسهامات الحضارية الخالدة التى أنتجها هذا التاريخ والتى مازلت حاضرة فى ثقافتنا المعاصرة خاصة فى مجال الفكر السياسى والفلسفة والأدب.

ويمكن تقسيم تاريخ بلاد اليونان القديمة إلى ثلاثة مراحل رئيسية هى:

1- العصر المبكر والذى يمتد من حوالى 2600 ق م إلى حوالى 1200-1100 ق م

2- عصر ظهور دولة المدينة وينقسم إلى مرحلتين الأولى وهى التى تسمى أيضا بعصر الظلام نظرا لندرة  المعلومات التاريخية عنها وتمتد من حوالى 1000 ق م حتى حوالى 800 ق م والمرحلة الثانية وتمتد من حوالى 800 ق م حتى حوالى 500 ق م

3- العصر الكلاسيكى. ويشغل القرن الخامس ق م ومعظم القرن الرابع ق م وهو العصر الذى وصلت فيه حضارة دولة المدينة اليونانية أقصى صعود لها ثم أخذت فى  الانحدار حتى انتهت بالغزو المقدونى لبلاد اليونان سنة 338 ق م.

وبالنسبة للعصر المبكر فقد شهد ظهور حضارتين رئيسيتين هما الحضارة الكريتية نسبة إلى جزيرة كريت المركز الرئيسى لهذه الحضارة والتى تسمى أيضا بالحضارة المينوية نسبة إلى بيت مينوس الذى سيطر على جزيرة كريت لفترة طويلة وقد بدأت حوالى 2600 ق م ويرجح أنها انتهت حتى قبل غزوات القبائل الدورية التى هبطت من شمال بلاد اليونان حوالى 1200-1100 ق م واجتاحت جنوب بلاد اليونان وجزر بحر إيجة. أما الحضارة الثانية فهى الحضارة الميكينية والتى نشأت فى مدينة ميكينى فى جنوب بلاد اليونان الأصلية حوالى سنة 1600 ق م أى بفترة زمنية متأخرة عن الحضارة الكريتية واستمرت بعدها بزمن قليل حتى انتهت فى حدود 1100 ق م بسبب غزوات القبائل الدورية.

1-وفيما يخص الحضارة الكريتية(المينوية) فقد إنتشرت مظاهرها فى جميع أنحاء الجزيرة وخاصة فى مدينة كنوسوس فى وسط الساحل الشمالى للجزيرة ومدينة فايستوس فى وسط الساحل الجنوبى للجزيرة. وقد عرف أهل كريت الكتابة فى مرحلة مبكرة من تاريخهم وكانت فى شكل صور على نمط الكتابة الهيروغليفية ثم تطورت وأصبحت تكتب فى شكل خطوط يمثل كل منها معنى.

وقد دُمرت كنوسوس حوالى سنة 1700ق م ربما على أثر حدوث زلزال ولكن ذلك لم يسبب تدهورا فى حضارة كريت فقد أعقب ذلك عصر نهضة  تحديدا بين الفترة 1600-1400 ق م تمكنت فيه كنوسوس من توحيد الجزيرة وأصبح ملوكها سادة بحر إيجة وسيطروا بأساطيلهم على الجزر الموجودة بهذا البحر والتى تأثرت بنمط الحضارة الكريتية. ولم يقتصر تقدم كريت على الجانب السياسى ففى الجانب المعمارى نجد أن القصور فى كنوسوس بدأت تقام على طراز أعظم كما نجد أن السكان بدأوا يعرفون مظاهر أخرى من مظاهر التقدم الحضارى فقد عرفوا المسرح وعرفوا بعض أنواع الترف كمصارعة الثيران كما عرفوا نوعا أكثر تقدما من الكتابة. وقد أطلق المصريون على أهل كريت إسم الكفيتو وكانت لهم بهم علاقات تجارية منذ عصر مبكر وصلت إلى درجة كبيرة من الإنتظام فى القرن الخامس عشر ق م أثناء ذروة وقوة الحضارة الكريتية كما تذكر لنا النصوص المصرية أن ملوك بلاد الكفيتو وجزر البحر العظيم كانوا يحضرون الهدايا والقرابين للملوك العظماء من الأسرة الثامنة عشرة فى عصر الإمبراطورية. وقد إنتهت الحضارة الكريتية قبل غزو القبائل الدورية خلال الفترة 1200-1100م

2-أما فيما يخص الحضارة الميكينية فقد كانت يونانية الأصل وقد ظهرت بوادرها فى مدينة ميكينى بجنوب بلاد اليونان وقد تأثرت تأثرا كبيرا بالحضارة الكريتية فى بداية نشأتها لكنها تمكنت من تطوير شخصيتها الحضارية الخاصة بمرور الزمن تمثلت فى إختلاف نماذج بناء المقابر وإختلاف أنماط الأوانى الفخارية والدروع والسيوف والخوذ المعدنية. وقد صاحب هذا الإستقلال الحضارى إزدياد فى قوة ميكينى وسيطرتها على بلاد اليونان إلى الدرجة التى جعلت ملوك المدن اليونانية الأخرى يستجيبون لنداء ملك ميكينى ويندرجوا تحت لوائه فى مشروع حرب طروادة .

أما عن علاقات ميكينى الخارجية فقد امتدت تجارتها شرقا إلى مصر وشواطئ آسيا الصغرى وجزر بحر إيجة وغربا إلى جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا. وكذلك فقد كان هناك علاقات سياسية بين اليونان والحيثيين كما تدل على ذلك مجموعة من الوثائق الإمبراطورية الحيثية والتى يشار فيها بشكل متكرر إلى  ملك أهياوه  حيث يجمع كل الباحثين أن كلمة أهياوه هى التحريف الحيثى لكلمة آخيين وهو الإسم الذى سمى به اليونان فى أشعار هوميروس.

على أن القوة الميكينة ومعها قوة اليونان لاتلبث أن تبدأ فى الغروب إبتداء من أواخر القرن الثالث عشر ق م حتى نهاية القرن الثانى عشر. وفى هذه الفترة من الغروب أو التدهور نستطيع أن نضع من الناحية التاريخية حصار اليونان لطروادة والذى خلده هوميروس شاعر الإلياذة كومضة أخيرة من ومضات الصراع اليونانى فى سبيل القوة الخارجية وفى وقت كانت فيه قوتهم قد شارفت نهايتها من الناحية الفعلية. وفى الواقع فإن حصار طروادة وبما كان يرمز إليه من استخدام القوة فى سبيل التوسع الخارجى كان هو آخر منجزات الحضارة الميكينية.

الغزوات الدورية

 وفى ذلك الوقت ، حوالى 1100 ق م بدأت تتدفق على بلاد اليونان( جنوب شبه جزيرة البلقان) موجات عارمة من قبائل بربرية عرفت باسم الدوريين انقضوا على أماكن الحضارة الميكينية وعلى ما تبقى من مراكز الحضارة المينوية فدمروا كل شئ وحطموا كل شئ ودفعوا أمامهم كل شئ وأدت غزواتهم المندفعة من الشمال إلى هجرات أخرى فرعية قام بها الذين فروا أمامهم من أهل البلاد الأصليين فى بلاد اليونان فهاجروا عبر بحر إيجة شرقا حتى وصلوا إلى الساحل الغربى لشبه جزيرة آسية الصغرى واستقروا هناك وهذه هى نفس الفترة التاريخية تقريبا التى تشير فيها النصوص المصرية إلى شعوب تسمى بشعوب البحر هاجمت الشواطئ المصرية ويعتقد أيضا أنه فى هذه الفترة التاريخية الغامضة هاجرت قبيلة البالستو من جزر بحر إيجة واستقرت بسواحل فلسطين وأعطت لها إسمها التاريخى. وقد كان من جراء هذا الغزو الدورى الذى إستمر حتى حوالى سنة 1000 ق م أن دخلت المنطقة فى عصر من الظلام نسيت فيه منجزاتها الفنية والثقافية وحتى حروف الكتابة التى كانت تستخدمها وخرجت السيطرة البحرية فى بحر إيجة من يد اليونان إلى يد الفينيقيين وضعفت سلطة البيوت الحاكمة القديمة وأصبح النظام السائد فى المجتع اليونانى يقوم على أساس من التجمعات السكانية القبلية أو القروية. وقد إمتدت هذه الفترة من عهود الظلام من 1000ق م إلى 800 ق م.

2- عصر ظهور دولة المدينة ( 1000 ق م – 800 ق م – 500 ق م )

وهكذا اندثرت الحضارة الميكنية  حوالى 1000 ق م نتيجة لغزو القبائل الدورية الذى بدأ قبل ذلك بقرن تقريبا. وكانت نتيجة هذا الإندثار فترة من التخلخل والتخلف سادت المجتمع اليونانى لحوالى قرنين من الزمان (1000-800 ق م ). ولكن رغم مساوئ هذه الحقبة المظلمة فإنها أتاحت للمجتمع اليونانى الفترة الزمنية لاستيعاب العناصر الجديدة التى  جاءت من الشمال وما كان لابد أن يتلو ذلك من امتزاج بين العناصر السكانية القديمة وهذه العناصر القديمة بما يعنيه ذلك من صراع وتداخل وتفاعل أدى فى النهاية إلى قيام مجتمع جديد وقد إتخذ هذا المجتمع الجديد التكوين الذى عرف بنظام دولة المدينة الذى لا تصبح فيه كل بلاد اليونان كيانا سياسيا واحدا وإنما تصبح فيه كل منطقة منه كيانا مستقلا قائما بذاته له كل أبعاد الدولة ويكون محوره – عادة – مدينة واحدة يحيط بها إمتداد من الأراضى تختلف مساحته من حالة لأخرى وتتناثر فيه مجموعة من الضواحى أو القرى وقد توجد فيه ميناء صغير أو أكثر إذا كانت المنطقة تطل على البحر. وكانت الظروف الجغرافية التى جزأت بلاد اليونان إلى مناطق منعزلة أو شبه منعزلة هى التى أدت إلى ظهور هذا التكوين. كما كانت هذه الظروف نفسها – بالإضافة إلى الظرف التاريخى الآمن من الأخطار الخارجية -  هى التى أتاحت لنظام دولة المدينة إمكانية التطور من نظام الحكم الفردى إلى نظام الحكم الشعبى الذى عرفته بلاد اليونان فى عدد كبير من أقسامها.

وقد اتخذت دولة المدينة فى بداية تكوينها شكل التجمعات القبلية التى يسيطر عليها كبار ملاك الأراضى وكان صاحب أكبر مساحة من الأرض يرأس التجمع القبلى الذى يوجد فيه ويحمل لقب الملك ( باسيلوس) . وكان يوجد إلى جانبه مجلسان أحدهما يضم الأعيان أو الأرستقراطيين من رؤساء القبائل ومجلس آخر للعامة من سكان التجمع القبلى. وقد لعب هؤلاء الملوك دور الموحد لهذه التجمعات القبلية المتجاورة فى شكل دولة المدينة فيما بعد وجمعوا فى أيديهم معظم السلطات. ولكن منذ أوائل القرن الثامن ق م بدأت الطبقة الأرستقراطية تزحف على سلطات الملوك فى المدن اليونانية حتى إذا جاء القرن السابع ق م كانت الحكومات الملكية قد سقطت فى أغلب المدن اليونانية لتحل محلها حكومات جماعية تتكون من الطبقة الأرستقراطية التى تسيطر على المورد الإقتصادى الرئيسى وهو الأرض. وقد ظلت هذه الطبقة تسيطر بدورها على دويلات المدن اليونانية حتى القرن السادس ق م حين بدأ اليونان موجة جديدة من موجات الهجرة المنظمة إلى شواطئ البحر المتوسط وأخذوا يساهمون مساهمة فعالة – إلى جانب الفينيقيين – فى تجارته وهكذا ظهرت فى المدن اليونانية طبقة إجتماعية جديدة هى طبقة التجار وكان طبيعيا أن تسعى هذه الطبقة إلى تأمين مصالحها عن طريق المشاركة فى السلطة وهكذا شهد القرن السادس ق م ظهور نوع جديد من الحكومات فى المدن اليونانية تتحالف فيها الطبقات التجارية الجديدة مع الطبقات الأرستقراطية القديمة من ملاك الأرض وهو ما يعرف فى بلاد اليونان باسم النظام السياسى الأوليجركى أو نظام حكم الأقلية.

ولكن هذا الوضع الجديد كان يحمل فى طياته بذور تطور آخر أصبح يشكل العامل الحاسم الذى دفع بمجتمعات المدن اليونانية نحو استكمال المراحل الأخيرة من تطور نظمها السياسية والمقصود بذلك هو صعود وتطور الطبقات الشعبية التى اعتمدت عليها الحركة التجارية بحيث أوجد ازدهار التجارة أمامها فرصا واسعة ومجالا للحركة لم يكن موجودا من قبل. وهكذا بدأت الكتلة الشعبية العريضة تشعر بكيانها وبوزنها فى مجتمعات المدن اليونانية وتثور على تحكم الحكومات الأوليجركية فى مصائرها. ولكن حدث فى هذه اللحظات من تاريخ المدن اليونانية أن تسلل إلى قيادة الحركات الشعبية أشخاص من خارجها تمكنوا من الإطاحة بالحكومات الأوليجركية لكنهم إنتكسوا بمجتمعات المدن اليونانية إلى الحكم الفردى مرة أخرى ودخلوا بها إلى عصر يسمى فى التاريخ السياسى اليونانى بعصر الطغاة. لكن الحركة الشعبية مالبثت أن إستأنفت مسيرتها الطبيعية مرة أخرى وذلك فى صورة سخط عام على هذا النوع من الحكم إنتهى به فى أواخر القرن السادس ق م إلى ثورات قضت على هؤلاء الطغاة وبدأت مرحلة جديدة من المراحل التى تطورت خلالها النظم السياسية اليونانية- مع بعض الإستثنائات -  إلى مرحلة الحكم الشعبى أو الديموقراطى.

3- العصر الكلاسيكى  500  ق م – 400 ق م

ظهرت أثينا واسبرطة كأبرز دول المدينة فى العصر الكلاسيكى وقد قطعت أثينا الشوط كله حتى وصلت إلى الحكم الشعبى الديموقراطى بينما توقفت اسبرطة عند نوع من الحكم الملكى المقيد ولكن قدر لهاتين المدينتين أن يلعبا ألدور الأكبر فى تاريخ اليونان فى العصر الكلاسيكى.

1-وفيما يخص أثينا فقد حققت وحدتها فى عهد ملك إسمه ثيسيوس فى تاريخ غير محدد وحين إنتقل الحكم إلى الطبقة الأرستقراطية توزعت صلاحيات الملك بين عدد من المناصب شغلها أفراد من الطبقة الأرستقراطية هى:

1-وظيفة الحاكم أو الأرخون وهو رئيس الجهاز التنفيذى

2- ثم وظيفة المشرف على الشؤون العسكرية أو البوليمارخوس

3- وستة قضاة

4- ورئيس للشئون الدينية

5-أما الصلاحيات التخطيطية والتشريعية فقد إنتقلت إلى مجلس يسمى مجلس الأريوباجوس.

 وفى سنة  621 ق م سجل مشرع اسمه دراكون القوانين الأثينية الأرستقراطية ولكن هذه القوانين لم تتناول مشكلة طبقة التجار الصاعدة ولا مشاكل طبقة العامة. وفى وسط هذه الظروف التى شهدت تسلط الطبقة الأرستقراطية تولى منصب الحاكم التنفيذى شخص اسمه سولون يبدو أنه كان من الأرستقراطية المعتدلة كما كان يعمل بالتجارة فقام بوضع بعض التشريعات بغرض التوفيق بين المصالح المتضاربة بين طبقات هذا المجتمع.

تشريعات سولون.

قسم سولون المجتمع الأثينى إلى أربع طبقات وجعل مقدار الدخل السنوى للفرد وبصرف النظر عن مصدر هذا الدخل سواء أكان من الأرض أو من التجارة هو الأساس الذى يقوم عليه إنتمائه الطبقى ودرجة تمتعه بالحقوق السياسية. فساوى بذلك بين الطبقة التجارية الصاعدة وبين الطبقة الأرستقراطية القديمة. كما أقام إلى جانب مجلس الأريوباجوس التشريعى الأرستقراطى- والذى أصبح أعضائه يختارون من الإعضاء السابقين للمجلس التنفيذى الأعلى وليس من الطبقة الأرستقراطية بالضرورة – مجلسا جديدا للشورى هو مجلس البولى يتكون من أربعمائة عضو مائة عن كل قبيلة من القبائل الأثينية الأربعة وتقتصر عضويته على الطبقات الثلاث الأولى للمجتمع وتشمل صلاحياته تحضير مشاريع القوانين التى تطرح على مجلس الإكليزيه( مجلس العامة أو المجلس الشعبى) الذى يتكون من عموم المواطنين الأثينين.

أما القسم الثانى من تشريعاته فقد إستهدف معالجة مشاكل العامة. وأول التشريعات فى هذا المجال هو ما عرف بإسم التخلص من العبء وبموجب هذا التشريع ألغيت كافة الديون التى كان أفراد الطبقة العامة يرزحون تحتها كما تم تحريم فقدان المدين لحريته الشخصية لحساب الدائن. أما التشريع الثانى فكان يخص إشتراك الطبقة الإجتماعية الرابعة وهى طبقة الأجراء أو العمال اليدويين فى مناقشات مجلس الإكليزيه الذى كان يضم كل المواطنين. وكان التشريع الثالث يتعلق بالناحية القضائية وينص على قيام المحاكم الشعبية وقد مثلت تلك المحاكم البداية الأولى للسلطة القضائية الكبيرة التى أصبح يتمتع بها المواطنون الأثينيون عندما وصل المجتمع الأثينى إلى آخر مراحل تطوره.

وهكذا وضع سولون من خلال تشريعاته فى أوائل القرن السادس ق م الأساس الدستورى  لنظام الحكم الذى يقوم على الثروة وهو الحكم الأوليجركى أى حكم الأقلية التى تضم طبقة ملاك الأرض وطبقة التجار كما أعطى طبقة العامة قدرا من الحقوق المحدودة. لكن ذلك وإن أرضى طبقة التجار فإنه لم حل كل مشاكل طبقة العامة كما أن نسبة من الطبقة الأرستقراطية لم ترضى عن هذا الدستور الذى أنقص من إمتتيازاتها القديمة وهكذا إنقسم المجتمع ألأثينى إلى ثلاثة أحزاب متصارعة هى الحزب الأرستقراطى والحزب التجارى وحزب العامة. وفى هذا الصراع إنتصر حزب العامة بقيادة جندى شاب إسمه بيزستراتوس(وكان فى الحقيقة من خارج طبقة العامة) وإستطاع تنصيب نفسه حاكما لأثينا حوالى عام 545 ق م.

وقد قام بيزستراوس بكثير من الأعمال المفيدة للمجتمع الأثينى مثل إعادة توزيع الأرض الزراعية على المعدمين ودفع عجلة الننشاط التجارى اليونانى إلى الأمام وتأسيس المستعمرات اليونانية على طرق التجارية الرئيسية وينسب إلى عهده ميلاد الفن المسرحى اليونانى على يد تسيبيس وكذلك تشجيعه لتدوين ملحمتى الإلياذة والأودبيسة. على أن الأمور تغيرت حين مات بيزاستراتوس وخلفه فى الحكم إبنه هيباس الذى عمد إلى حكم الإرهاب بعد مصرع أخيه هبارخوس مما دفع بالإثينين إلى الثورة عليه وطرده من المدينة. وعادت الأوضاع الدستورية إلى ماكانت عليه قبل عهد أسرة بيزستراتوس. وفى ذلك الوقت كان يرأس الجهاز التنفيذى فى أثينة شخص إسمه كليستنيس فأقدم على وضع دستور يصقل دستور سولون ويستكمله ويقضى على عوامل الشقاق والصراع الحزبى.

دستور كليستنيس

وقد بدأ كليستنيس العمل على وضع دستوره الجديد حوالى سنة 503-502 ق م  وقام على ثلاثة أركان رئيسية هى :

1- بدأ كليستنيس أولا بإعادة تقسيم المجتمع الأثينى إلى قبائل من نوع جديد تقوم على أساس مكانى لتصبح قاعدة للتنظيم الإدارى وللحقوق السياسية بدلا من التقسيم القديم الذى كان يقوم على رابطة القرابة أو الدم فأعاد تقسيم أتيكة( أثينا) إلى عشرة قبائل أساس كل منها هو المكان – بعد أن كانت أربعة قبائل تقوم على رابطة الدم -  وقسم كل قبيلة إلى ثلاثة أقسام موزعة بين أقسام أتيكة الطبيعية (الساحل والسهل والجبل) ويقسم كل من هذه الأثلاث إلى عدد من الأحياء يدعى كل منها ديموس ويعتبر عضويته الأساس للمواطنة وللحقوق السياسية كما جعل هذه الأحياء أساسا للتنظيم الإدارى وهكذا قضى على أسباب التناحر بين حزب الساحل الذى يمثل التجار والسهل الذى يمثل أصحاب الأرض وحزب الجبل الذى يمثل الرعاة.

2- وبناء على الرابطة المكانية الجديدة التى حلت محل رابطة الدم القديمة أعيد تنظيم مجلس الشورى الذى ظهر فى تشريعات سولون فبعد ان كان هذا المجلس مكونا من أربعمائة عضو، مائة من كل من القبائل الأُثينية الأربعة على أساس رابطة  الدم أعيد تنظيمه ليصبح مكونا من خمسمائة عضو خمسين من كل قبيلة مكانية جديدة. فأصبح بذلك ممثلا للمجتمع الأثينى ككل وليس ممثلا للروابط الأسرية القديمة.

3- أما الركن الثالث الأساسى فى دستور كليسنيس فكان قانون النفى السياسى وبموجب هذا القانون أصبح الأثينيون يستطيعون خلال دورات محددة من دورات مجلس الشعب أن يصوتوا على نفى أى زعيم سياسى يرون فيه خطرا على الديموقراطية بشرط أن يدلى ستة آلاف شخص على الأقل من المجتمعين بأصواتهم حتى يصبح النظر فى أمر مسألة النفى قانونيا وتكون مدة نفى الشخص الذى توافق أغلبية الأصوات على نفيه هى عشر سنوات.

————- 

2-أما فيما يخص إسبرطة فقد عرفت نظام حكم متداخل يجمع بين النظام الديموقراطى والنظام الملكى وترجع أصول المجتمع الإسبرطى إلى القبائل الدورية الغازية التى سيطرت على منطقة لاكونيه فى جنوب بلاد اليونان وقد نشأت مدينة إسبرطة فى وسط هذه المنطقة التى أصبحت المركز الحصين لهؤلاء الغزاة الذين أطلقوا على أنفسهم إسم اللاكديمونيين. وقد سيطر الإسبرطيون على المقيمين فى منطقة لاكونيه ورغم أن هؤلاء السكان ظلوا أحرارا وعرفوا بتسمية البيرى أويكوى أى السكان المحيطون بإسبرطة فقد جردوا من كل حقوق سياسية. بعد ذلك دخل الإسبرطيون فى حربين مريرتين مع منطقة مسينا الواقعة إلى غربى منطقة لاكونيه مرة فى القرن الثامن ق م ومرة فى القرن السابع ق م إنتهت بإستيلائهم على هذه المنطقة والهبوط بأغلب سكانها إلى مرتبة العبيد. وفى ظل هذه الظروف أصبح الإسبرطيون أقلية حاكمة وسط محيط معادى مما جعلهم يتبعون نظاما إجتماعيا وسياسيا يمكنهم من المحافظة على تماسكهم وسيطرتهم وسط هذه الأغلبية المعادية.

وهكذا نشأ التنظيم الإجتماعى والإقتصادى الإسبرطى تنظيما عسكريا إقطاعيا فكان للدولة جيشا نظاميا بعكس المدن اليونانية الأخرى التى كانت تعتمد على التعبئة المؤقتة أوقات الحروب. وبمقتضى النظام الإسبرطى كان الأصحاء من أطفال العائلات الإسبرطية يخضعون لإشراف الدولة عندما يبلغون السابعة من العمر فتأخذ على تنشئتهم تنشئة عسكرية فإذا بلغ الإسبرطى سن الرشد فإنه يبدأ فى مزاولة الحياة العسكرية كجندى فى الجيش الوطنى. ورغم أنه كان مسموحا له بالزواج وتكوين أسرة إلا أنه كان لايعيش فى بيته أومع أسرته كما لم يكن يشغل وقته فى العمل لتهيئة أسباب العيش لأسرته ولذا فقد كانت الدولة تمنحه قطعة كبيرة من الأرض الصالحة للزراعة وعائلة أو أكثر من العبيد لفلاحتها وكان على هؤلاء العبيد أن يعطوا الإسبرطى الذين يعملون فى أرضه نصف العائد من هذه الأرض كما كان عليهم أن يقوموا على خدمته هو وأسرته سواء فى أوقات السلم أو فى ميدان القتال. كذلك لم يكن مسموحا للإسبرطى التعامل فى التجارة أو الصناعة والتى تركت لطبقة البيرى أو يكوى.

أما بالنسبة للتنظيم السياسى فإن الدستور الإسبرطى والمنسوب إلى شخصية يحمل صاحبها إسم ليكورجوس فقد قام على دعائم أربعة تتمثل فى :

1-ملكين على رأس الحكم

2-مجلس للشيوخ

3- مجلس شعبى

4- عدد من المشرفين

وبالنسبة للملكية فقد بقيت قائمة فى دستور المدينة حتى بعد أن بلغت آخر مراحل تطورها ولكنها إذا كانت قد بقيت إلا أن سلطات الملك قد تقلصت إلى حد كبير بسبب عاملين رئيسين أولهما هو وجود ملكين على رأس السلطة بحيث أصبح كل منهما رقيبا على الآخر بشكل أعطى نظام الحكم شئ من الديموقراطية  فلم يعد هناك داع للتخلص من الملكية لإنها لم تكن ملكية مطلقة. ويبدو أن أصل هذه الملكية المزدوجة يرجع إلى وجود قبيلتين رئيسيتين قامت مدينة إسبرطة نتيجة لإتحادهما هما قبيلة الآجيدين وقبيلة اليوريبونتين. أما العامل الثانى فهو زحف الطبقة الأرستقراطية على سلطات الملك كما حدث فى المدن اليونانية الأخرى.

أما عن مجلس الشيوخ أو مجلس الجيروسيه فقد كان يتكون من ثلاثين عضوا من بينهم الملكان بحكم منصبهما وفيما عدا الملكين فقد كان سن الأعضاء الثمانية والعشرين يجب أن يكون فوق الستين وكانت عضويتهم تمتد مدى الحياة وكانت صلاحيتهم تشمل تحضير المسائل التى تعرض أمام مجلس الشعب كما كان فى أيديهم الفصل فى القضايا الجنائية ورغم أن مجلس الشعب كان هو الذى ينتخبهم فقد كان شرط إنتخابهم أن يكونوا من أعضاء الأسر الأرستقراطية.

أما مجلس الشعب أو مجلس الأبلة فقد كانت عضويته تشمل كل إسبرطى فوق الثلاثين . وكانت صلاحيات هذا المجلس تشمل إنتخاب أعضاء مجلس الشيوخ(الجيروسيه) وهيئة المشرفين وأعضاء الجهاز التنفيذى كذلك كان فى يد المجلس الشعبى تقرير المسائل الخاصة بالحرب والسلام والسياسة الخارجية وحسم المشاكل المتعلقة بوراثة عرش الملكين.

 أما الركن الرابع من أركان النظام السياسى فى إسبرطة فيمثله المشرفون أو الإيفوريس. وكان عدد هؤلاء المشرفين خمسة أفراد ومن المرجح أن هذا العدد كان مرتبطا بعدد القرى الخمس التى قامت إسبرطة نتيجة لإتحادها أو توحيدها كما يبدو أنه قد ظهر فى البداية  لمساعدة الملوك فى الإشراف على القضايا المدنية فى هذه القرى. على أن هذه الصلاحيات القضائية سرعان مانمت وتطورت بحيث أصبحوا فى آخر الأمر يضمون إلى جانبها صلاحيات سياسية على جانب كبير من الأهمية من بينها الرقابة على تصرفات الملوك والمحافظة على النظام العام وتطبيق القانون. ومع هذا التطور لم يعد الملوك هم الذين يعينون المشرفين وإنما أصبحوا يشغلون مناصبهم عن طريق الإقتراع العام من بين صفوف كل الإسبرطيين دون أى تحديد. ويبدو واضحا أن التطور الذى أدى إلى إتساع سلطاتهم السياسية بهذه الصورة قد إكتسبوه فى أثناء الصراع الذى دار فى القرن السابع ق م  بين الطبقة الأرستقراطية التى كانت تحكم إسبرطة بالإشتراك مع الملوك من جهة وبين طبقة العامة أو الطبقة الشعبية من جهة أخرى فكانت هذه السلطات السياسية التى حصل عليها المشرفون فى حقيقة الأمر تشكل نوعا من التوازن الذى يحفظ ماحصل عليه العامة من مكاسب فى أثناء هذا الصراع وبين ما إستطاع الملوك والأرستقراطيون أن يستبقوه فى أيديهم من سلطات.

———————–

 أما عن التاريخ السياسى لبلاد اليونان فى العصر الكلاسيكى فقد شهد هذا العصر مواجهات مسلحة بين بلاد اليونان وبين قوتين كانتا موجودتين على المسرح الدولى آنذاك وهما قوة قرطاجة التى كانت تفرض سيطرتها عل الثلث الغربى للبحر المتوسط والإمبراطورية الفارسية التى كانت تفرض سيطرتها عل الشواطئ الشرقية لهذا البحر.

الحرب مع قرطاج

 وكان الصدام مع قرطاجة نتيجة طبيعية للمنافسة التجارية فى غربى البحر المتوسط وقد إمتد عبر القرن الخامس والرابع ق م وتركز حول جزيرة صقلية. وقد وقع أول صدام سنة 480 ق م  وقد نشأ بسبب الصراع الذى نشأ بين المدن اليونانية نفسها فى جزيرة صقلية واستنجاد  خصوم جيلون حاكم سيراكوزة اليونانى بقرطاج الذى إنتهزت الفرصة وأرسلت جيشا كبيرا بقيادة هاملكار فى محاولة لإنتزاع الجزيرة من اليونان. على أن المعركة إنتهت بإنتصار جيلون وفرضه تعويضا كبيرا على قرطاج. أما الصدام الثانى فقد وقع بين سيراكوزة فى سنة  474 ق م على عهد حاكمها هيبرون وبين الأتروريين حلفاء القرطاجيين فى إيطاليا وفى هذا الصدام إنتصر اليونان أيضا. وحدث الصدام الثالث فى سنة 409 ق م  حين تدخلت قرطاج مرة أخرى فى النزاع بين المدن اليونانية بقيادة هانيبال حفيد هاملكار – وهو غير هانيبال الذى حارب الرومان فى الحروب البونية . وفى سنة 405 ق م سيطر القرطاجيون على القسم الأكبر من صقلية ولكن ديونيسيوس حاكم سيراكوزة اليونانى تمكن بعد ذلك من دفع السيطرة القرطاجية بحيث لم يتبق تحت هذه السيطرة إلا الطرف الغربى للجزيرة بينما ظل الطرف الشرقى خاضعا لليونان.وهكذا عاد الوضع إلى النقطة التى بدأ منها الصراع بين اليونان والقرطاجيين.

الحروب الفارسية

-أما بالنسبة للحروب مع الإمبراطورية الفارسية فقد حدثت عندما غزا الإمبراطور الفارسى مملكة ليدية فى سنة 548 ق م  وأخضع معها المدن اليونانية الآسيوية الواقعة على ساحل آسيا الصغرى ولم تعبأ المدن اليونانية بالإنتقال من سيطرة ليديا إلى سيطرة الفرس فى بادئ الأمر لكن الأمور إتخذت مسارا جديدا حين بدأ الفرس يتدخلون بشكل متكرر فى النزاعات التى كانت تنشب داخل كل مدينة حول نظام الحكم وكان الفرس يساندون الحكم الفردى أو حكم الطغاة كما كان يسميه اليونان. وهنا إشتد سخط المدن اليونانية وكونوا حلفا عسكريا فى مواجهة الفرس بقيادة مدينة ميليتوس وتمكنوا من الوقوف فى وجه الفرس عسكريا لعدة سنوات(499-494 ق م). وإستنجدوا بالمدن اليونانية الأوربية فلم يستجب لهم سوى أثينا وأريترية على أن الثورة لم تحقق شيئا فى النهاية. إذ إختلف اليونان فيما بينهم وإستطاع الفرس تدمير مدينة ميليتوس التى تزعمت الثورة  إلا أن هذه الثورة كانت بداية لصدام كبير بين الفرس وبلاد اليونان الأصلية إذا تنبه الفرس إلى خطر تدخل أثينة وأرتيرية فى هذا الصراع الآسيوى فقرروا غزو بلاد اليونان الأصلية.

وقد بدأ الفرس تنفيذ هدفهم فعلا فأرسلوا حملة كبيرة فى سنة 490 ق م  هبطت فى سهل ماراثون على مقربة من أثينا لتأديبها على مساعدتها للمدن  اليونانية فى آسيا الصغرى لكن المعركة إنتهت بإنتصار الأثينين بقيادة ملتيادس. وقد إنسحب الفرس بعد موقعة ماراثون ولم يتعرضوا لبلاد اليونان على مدى عشر سنوات لأسباب تخص الوضع الداخلى فى الإمبراطورية وبسبب الثورة فى مصر وبابل ولكنهم عادوا فى سنة 480 ق م لتصفية الحساب مع اليونان الأوربيين فى جولة أخرى. وقد إمتدت هذه الجولة عبر سنتين ولم تكن ضد الأثينين وحدهم وإنما إمتدت لتشمل القسم الأكبر من بلاد اليونان كما أنها كانت شاملة برية وبحرية. وأهم مواقع هذه الجولة أربعة. كانت الأولى فى مضيق ثرموبيلاى على الساحل الشرقى لبلاد اليونان وقد وقعت سنة 480 ق م وفيها قضى الفرس على قوة إسبرطية كان يقودها ملكها ليونداس. أما الموقعة الثانية فهى موقعة سلاميس البحرية التى دارت فى السنة نفسها قرب الشاطئ الشرقى للجزيرة التى تحمل هذا الإسم وتعتبر هذه الموقعة نقطة التحول الرئيسية فى هذه الحرب إذ إستطاع الأسطول الأثينى بمساعدة عدد من القطع البحرية التى قدمتها المدن اليونانية الأخرى أن يلحق هزيمة ساحقة بالأسطول الفارسى.وقد كانت نتيجة موقعة سلاميس أن أنحسر التقدم الفارسى فى بلاد اليونان. وتأهب اليونان للهجوم المضاد الذى تمخض عن إنتصارهما فى موقعتين فى السنة التالية 479 ق م إحداهما فى موقعة برية فى بلاتايه قرب حدود أتيكة وكانت بقيادة إسبرطة. والأخرى موقعة ميكالى البحرية التى تمت فى نفس الوقت تقريبا بقيادة أثينا عند شواطئ جزيرة ساموس على ساحل آسيا الصغرى. وقد كانت نتيجة هاتين الموقعتين الحاسمتين برا وبحرا أن إبتعد الخطر الفارسى عن بلاد اليونان.

ولكن إذا كان الخطر الفارسى قد إبتعد عن بلاد اليونان الأوربية فإن المدن اليونانية الآسيوية كانت لاتزال تحت السيطرة الفارسية ومن ثم فقد أخذت فكرة تحررهم من هذه السيطرة تراودهم من جديد ولم يكن ينقصهم إلا الزعامة. كانت المدينتان المرشحتان لهذه الزعامة هما إسبرطة وأثينا ولكن إسبرطة كانت قد إنسحبت من دورها القيادى بعد موقعة بلاتايه بسبب خطر السكان الخاضعين فى منطقة مسينة المحيطة بها وبسبب تزعمها للحلف البلوبونيزى الذى كان يتطلب تواجد قواتها العسكرية بشكل دائم. وعلى العكس من ذلك كانت ظروف أثينا أكثر إستقرارا بعد أن توصلت فى بداية القرن الخامس ق م إلى النظام الديموقراطى الشعبى كما كان الإقتصاد الأثينى يعتمد فى معظمه على التجارة وفى هذا الصدد يصبح تحرير المدن اليونانية الآسيوية ظرفا مواتيا للإزدهارالتجارى كما كانت أثينا قوة بحرية تملك أسطولا ضخما يمكنها من مواجهة الفرس. وهكذا تم تكوين حلف من أغلب المدن اليونانية الواقعة على شواطئ بحر إيجة والموجودة فى جزره وقد تم تأسيس هذا الحلف فى شتاء 478-477 ق م تحت زعامة أثينا وعرف بإسم حلف ديلوس نسبة إلى جزيرة تقع فى منطقة وسطى فى بحر إيجة. ولإن أثينا كانت أغنى مدن الحلف كما كانت تستطيع أن تقدم أكبر عدد من السفن والقوات العسكرية فقد تركزت إدارة شئون الحلف فى إيديهم وكانت النتيجة المباشرة لهذا الحلف أن إستطاعت أثينا أن تقدم على سلسلة من المعارك والتحركات العسكرية أبعدت الفرس عن الشواطئ الآسيوية لبحر إيجة كان أهمها موقعة نهر يوريميدون على الشاطئ الجنوبى الغربى لآسيا الصغرى سنة 468 ق م وهى الموقعة التى تم على أثرها تحرير كل القسم الجنوبى من المدن اليونانية الآسيوية وإنضمامها إلى حلف ديلوس أو الحلف الأثينى.

ولكن بمجرد إنحسار الخطر الفارسى بدأت بعض المدن اليونانية تشعر بأن الحلف قد إنتهى مبرر وجوده وحاولت الخروج منه وهنا كان على أثينا إما أن تستجيب لرغبة هذه المدن أو تجبرها على البقاء وتحول الحلف إلى إمبراطورية أثينية وقد إختارت اثينا الخيار الثانى وحين خرجت جزيرة ناكسوس من الحلف فى  حاصرها الأسطول المشترك تحت قيادة أثينا وأعادها إلى الحلف بالقوة فكانت هذه المناسبة هى بداية تحول حلف ديلوس إلى إمبراطورية أثينية. وقد كانت مصالح أثينا التجارية هى الدافع الرئيسى وراء تحويل الحلف إلى إمبراطورية أثينية. وفى الواقع فإن الإتجاه نحو السياسة الإمبراطورية قد ساد حتى بين زعماء الحزب الديموقراطى فى أثينا خاصة فى عصر بركليس الذى اصبح الزعيم الأثينى دون منازع على إمتداد ثلاثين عاما قبل أن يموت سنة 429 ق م. وفى عصره تدعمت السيطرة الأثينية على مدن بحر إيجة وإنعكس إزدهار أثينا الإقتصادى على شتى مناحى الحياة الأخرى فشهدت هذه الفترة تقدما فى الحركة الفكرية بدت آثارها واضحة فى ظهور عدد من المفكرين الذين عرفوا بالسوفسطائئين ( أى المشتغلين بالحكمة) كذلك شهد عصر بركليس تشييد عدد كبير من المعابد والأبنية العامة وظهر عدد من الفنانين العظام كان أبرزهم المثال الأثينى فيدياس.

عل أن أبرز تطور عرفه المجتمع الأثينى فى مجال الحياة العامة فى عصر بركليس كان فى الجانب السياسى الداخلى. فقد شهد هذا العصر إستكمال الأثينين  النظام الديموقراطى الشعبى الذى كان دستور كليستنيس قد أرسى قواعده مع إطلالة القرن الخامس ق م . وقد ظهر هذا الإتجاه نحو إستكمال الخط الديموقراطى فى نظام الحكم فى ثلاث خطوات وكانت الخطوة الأولى هى تقليص صلاحيات مجلس الأريوباجوس وهو المجلس الأرستقراطى الذى كان موجودا فى أثينا فى عهد الحكم الأرستقراطى وظل قائما حتى بعد تشريعات سولون وكليستنيس. والخطوة الثانية كانت هى توسيع دائرة المواطنين الذين يختار من بينهم أعضاء المجلس التنفيذى الأعلى فبعد أن كانوا يختارون من قبل من بين صفوف الطبقتين الأولى والثانية زاد إتساع الدائرة لتشمل أفراد من الطبقة الثالثة الذين كان دخلهم السنوى يتراوح بين 200-300 معيار. أما الخطوة الثالثة على طريق إستكمال الديموقراطية فى عصر بركليس فهى إدخال نظام المكافأة أو الأجر أو التعويض على حضور جلسات المحاكم الشعبية ثم على حضور جلسات مجلس الشورى وعلى شغل الوظائف الإدارية. وقد مكن هذا عدد كبير من غير الموسرين من تأدية دورهم بالإشتراك فى هذه المؤسسات وإٌقترب بذلك النظام الديموقراطى من جانب الممارسة الفعلية على الصعيد الشعبى إلى حد كبير.

 الحروب البلوبونيسية

وهكذا تكونت الإمبراطورية الأثُينية وتدعم فيها النظام الديموقراطى وأدى الخطان الإمبراطورى والديموقراطى إلى قدر كبير من الرخاء واتجهت أثينا إلى تشجيع الأحزاب الديموقراطية فى كل المدن اليونانية ولكنها اصطدمت بمعارضة إسبرطة التى كانت تسيطر على الحلف البلوبونيسى ولها نوع آخر من المصالح الاقتصادية الزراعية تتعارض مع مصالح الطبقات التجارية والصناعية والاتجاهات الديموقراطية الأثينية. وهكذا ظهر نوع من التناقض الأساسى بين هاتين المدينتين الرئيسيتين فى بلاد اليونان. سرعان ما انفجر إلى صراع مسلح عندما وجدت أثينا نفسها فى حاجة إلى أسواق جديدة إلى جانب أسواق بحر إيجة فاتجهت إلى المياه الغربية بنشاطها التجارى وكادت تكتسح المصالح التجارية للمدن حلفاء إسبرطة مثل كورنثة وميجارة وسيكيون وتهدد إقتصاد هذه المجتمعات ورغم أن إسبرطة لم تكن لها مصالح تجارية فى الغرب فقد إستجابت لنداء كورنثة من خطر إستيلاء أثينا على جزيرة كوركيرا التابعة لها والتى كانت تسيطر على الخط التجارى الرئيسى فى المياه الغربية وهكذا بدأ الصدام المسلح بين المدينتين الذى قدر له أن يستمر لثلاثة عقود تقريبا. وقد إبتدأ الصدام الأول فى سنة 431 ق م  وإستمرت المواجهة عشرة سنوات وكان مسرحها بلاد اليونان الأصلية فى شبه جزيرة البلقان وقد استنزفت هذه الجولة من الحرب قوى الطرفين دون أن يحقق احدهما نصرا على الآخر وإنتهت بصلح نيكاس سنة 421 ق م نسبة إلى الزعيم الأثينى نكياس الذى مثل الجانب الأثينى فى توقيع هذا الصلح.

ولكن السلم لم يدم طويلا فنتيجة لإعتبارات كثيرة رأت اثينا أن معاودة المواجهة العسكرية أمرا ضروريا وأرسلت قوة بحرية إلى جزيرة صقلية فى الغرب تحت إٌقتناع أن إخضاع مدينة سيراكوزة عاصمة الجزيرة وإدخالها فى الإمبراطورية الأثينية كفيل بالخنق الإقتصادى للمدن البلوبونيسية ولكن الحملة فشلت نتيجة لفرار قائدها الكبيادس إلى الجانب الإسبرطى وتغييره بقائد آخر أقل كفاءة بحيث إنتهت المواجهة بتدمير القوات الأثينية برا وبحرا فى 413 ق م.

 أما المرحلة الثالثة من الحروب البلوبونيسية فقد تمت بين الأعوام 406-404 ق م وفيها لجأت إسبرطة إلى طلب المساعدة من الإمبراطورية الفارسية وحين تم لها ما أرادت ارسلت أسطولها تحت قيادة القائد الإسبرطى ليساندروس للإستيلاء على مداخل البحر الأسود حيث الخط التجارى الأساسى الذى يمون أثينة بما تحتاجه من قمح. وقد إستطاع ليساندروس تدمير الأسطول الأثينى فى موقعة إيجو سبوتامى ولم يكن أمام أثينا إلا الإستسلام لشروط الصلح التى أملاها ليساندروس والتى كان أبرز نتائجها إنفراط عقد الإمبراطورية الأثينية وفشل أول محاولة جادة كان يمكن أن توحد المدن اليونانية.

وبعد الإنتصار الإسبرطى الساحق على أثينة فى سنة 404 ق م بدات سيطرة إسبرطة على كل المدن التى كانت تشكل الإمبراطورية الأثينية إلى جانب الدول الأخرى وبدا وكأن بلاد اليونان مقبلة على نوع من الوحدة أو الإتحاد وإن كان ذلك هذه المرة تحت السيطرة الإسبرطية بدلا من السيطرة الأثينية. لكن هذا لم يحدث بل على العكس  فإن القرن الرابع ق م شكل بالنسبة لبلاد اليونان ولنظام دولة المدينة الذى سارت عليه مايمكن أن نسميه عصر الفوضى أو عصر الإنحدار وذلك بسبب ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى هذه النتيجة وهى :

1-صراع الزعامة بين الدويلات اليونانية.

 وفى هذا الصدد إبتدأت إسبرطة منذ إنتصارها فى 404 ق م بإحكام سيطرتها على كل المدن التى كانت ضمن الإمبراطورية الأثينية من قبل إلى جانب المدن التى تحالفت معها أثناء حربها مع أثينا وكانت هذه جميعا تشكل غالبية المدن اليونانية. ولكن معاملة إسبرطة إلى المدن الخاضعة لها وخاصة فى آسيا الصغرى كان أسوء كثيرا من معاملة أثينا. كما كان على إسبرطة أن تدفع للإمبراطورية الفارسية ثمن مساعدتها لها فى صراعها ضد أثينا والتى طلبت ثمنا لذلك أن تعود المدن اليونانية الآسيوية إلى السيادة الفارسية وعندما تباطأت إسبرطة فى تنفيذ ذلك أخذت الإمبراطورية الفارسية فى تأليب المدن اليونانية الآسيوية عليها وكانت النتيجة أن أضطرت إسبرطة إلى عقد صلح مع الإمبراطورية الفارسية سنة 386 ق م  أعادت بمقتضاه معظم المدن اليونانية الآسيوية إلى السيادة الفارسية فى سبيل إحكام قبضتها على المدن اليونانية الأوربية وقد مثل ذلك وصمة أدبية لإسبرطة أمام هذه المدن الأخيرة كما اثارت فى الوقت ذاته توجسات كثيرة بينها. كذلك فإن إعتماد إسبرطة على القوة العسكرية فى السيطرة على المدن اليونانية كان معناه إبقاء أعداد كبيرة من الإسبرطيين خارج إسبرطة بصفة مستمرة ونتيجة لهذه الظروف تمكنت مدينة طيبة من القضاء على السيطرة الإسبرطية وهزيمتها فى موقعة ليوكترة قرب طيبة سنة 371 ق م. وبعد ذلك بدأت طيبة سلسلة من التحركات العسكرية والسياسية لتفرض سيطرتها على بلاد اليونان لكنها فشلت بدورها.

وفى الوقت الذى تعاقبت فيه سيطرة إسبرطة وسيطرة طيبة عل أغلب المدن اليونانية كانت أثينا تسعى لإقامة حلف جديد على نمط حلفها القديم( حلف ديلوس) لكن أثينا بدورها لم تحسن معاملة حلفائها خاصة حين بدأت بعض هذه الدول الخروج من الحلف بعد أن زال الخطر الإسبرطى بعد هزيمة ليوكترة. وقد أدى هذا الوضع المتأزم إلى حرب فعلية بين أثينا وحلفائها إنتهت بعقد صلح بين الطرفين فى سنة 354 ق م. إعترفت فيه اثينا بإستقلال أهم المدن التابعة للحلف ولم تلبث المدن الباقية أن إنسلخت بدورها وهكذا فشلت المحاولة الأثينية الثانية لتوحيد بلاد اليونان.

2- التخلخل فى الأحوال الداخلية للدويلات اليونانية

وبفشل كل محاولات الوحدة اليونانية تكرست النزعة الإنفصالية بين الدول اليونانية ووصلت إلى طريق اللاعودة. كما تعرضت الحياة العامة فى داخل المدن اليونانية خلال القرن الرابع ق م إلى تخلل  فى أكثر من جانب من جوانبها وعلى سبيل المثال فقد تعرضت الموارد الإقتصادية لهذه المدن إلى تناقص ظاهر ومطرد بعد أن شهدت عهدا من الإزدهار منذ أواسط القرن السادس ق م إلى نهاية القرن الخامس ق م  وسبب هذا هو أن بعض البلاد التى كانت تشكل الأسواق الخارجية لبلاد اليونان بدأت تطور منتجاتها لدرجة تكفى إحتياجاتها من السلع التى كانت تستوردها من قبل المدن اليونانية بل أخذت تنافس السلع اليونانية فى الأسواق الأخرى.

وقد أدى هذا الوضع الإقتصادى المتدهور إلى إنتشار العمل بين اليونانيين كجنود مرتزقة سواء فى الجيوش الأجنبية أو فى جيوش المدن اليونانية ذاتها وقد كان هذا الوضع من العوامل الأساسية دون شك فى تدهور نظام دولة المدينة فقد كان فى حقيقته وضعا يتقلص فيه معنى المواطنة ويمثل إنفصاما بين المواطن والدولة. وقد تعدى هذا الوضع الإقتصادى المتدهور إلى الجانب الساسى أيضا فلم يعد الصالح العام هو الهدف وأصبح هدف كل طبقة تأمين مصالحها الخاصة دون النظر إلى المصالح العامة للوطن وقد وصل هذا التسيب السياسى مداه فى أثينا عندما وصل الأمر بالمواطنين الأثينين أن يقدموا متعتهم الخاصة على صالح الدولة حين كان الخطر المقدونى غير بعيد بينما كان كل همهم هو الحصول علىماسمى بإعانة المسرح التى كانت تصرف للمواطنين المحتاجين من الأموال العامة حتى يتمكنوا من حضور الإحتفالات السنوية أو الموسمية بدلا من إستخدام هذه الأموال فى التجهيز للدفاع عن أثينا عندما كان الخطر المقدونى على الأبواب.

3-ظهور مقدونيا وإخضاع الدويلات اليونانية

كان الخطر المقدونى هو العامل الثالث الذى أدى إلى القضاء النهائى على نظام دولة المدينة اليونانية فبعدما إستطاعت هذه الدولة المقدونية غنية الموارد والواقعة إلى الشمال من بلاد اليونان مباشرة تحقيق وحدتها السياسية على يد الملك فيليب بعد أن إعتلى عرشها سنة 360 ق م أخذت  فى التطلع للسيطرة على بلاد اليونان وهكذا بدأ فيليب سياسة لغزو المدن اليونانية منتهزا إنقساماتها المستمرة وحين تنبهت أثينة وطيبة فى نهاية الأمر ووحدا قواتهما العسكرية فى وجه الغزو المقدونى كان الوقت قد فات وإستطاع الجيش المقدونى أن ينزل بالقوات الأثينية الطيبية المشتركة هزيمة ساحقة عند خايرونيه فى شمال منطقة  بويوتيه سنة 338 ق م وضعت كل بلاد اليونان تحت سيطرة فيليب. ولكن إذا كان المقدونيون قد غزوا بلاد اليونان عسكريا فإن الثقافة اليونانية قد غزت مقدونيا حضاريا وقد ظهرت نتيجة ذلك بعد سنوات قليلة من سقوط المدن اليونانية أمام فيليب. فبعد موت هذا الملك فى 336 ق م خلفه على العرش إبنه الإسكندر الذى غزا الإمبراطورية لفارسية فى خلال تسع سنوات من الإنتصارات العسكرية المتواصلة(334 ق م – 325 ق م) وقد كان إعتماده فى غزواته تلك إلى جانب الجنود المقدونية على اليونان. وحين مات الإسكندر فى 323 ق م وإنقسمت هذه الإمبراطورية إلى عدة ممالك إنتقل حكمها إلى قواده الذين إعتمدوا على اليونان فى جميع المجالات وهكذا وجدت الفرصة لإمتزاج الحضارة الإغريقية(اليونانية) بالحضارات الشرقية فى صيغة عرفت بإسم الحضارة الهيلينستية إشارة إلى المسحة الإغريقية لهذه الصيغة الحضارية الجديدة. وهكذا إنتهى تاريخ اليونان القديم وبدأ عصر جديدا وأخيرا فى تاريخ هذه الحضارة هو العصر الهيلينستى الذى سنتكلم عنه فى المحاضرة القادمة. وقد خلف العصر اليونانى القديم تراثا حضاريا هائلا فى العلوم والفكر والفلسفة والأدب وسوف أترك الحديث عن هذا الجانب من تاريخ اليونان لصديقى الأستاذ أحمد سعد زايد.

——————

الإسكندرية 12 إبريل 2012 م

أهم المراجع :

1-اليونان – مقدمة فى التاريخ الحضارى – د. لطفى عبدالوهاب

2-اليونان – د. حسين الشيخ

Print Friendly
This entry was posted in دول وشعوب, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , . Bookmark the permalink.