صلاح جاهين – عبقري من زمن جميل

وفاء حمودة

بألامس كانت ذكراك ولم اكنت قد انتهيت من الكتابة عنك ، ولكن الكتابة عنك تحتاج الي ايام و ايام يا اشهم رجل في مصر …..!!!
أن اشهم راجل في مصر…. لية …. علشان كل راجل بيقوم في الاتوبيس علشان تقعد مكانة واحدة ست، بس انا بأقوم تقعد مكاني اتنين ، كان بيتريق علي نفسة
اين انت ايها الرائع الجميل
ياللى بتبحث عن إله تعبده بحث الغريق عن اى شئ ينجده
الله جميل وعليم ورحمن ورحيم احمل صفاته ..وانت راح توجده وعجبي

محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي ، صلاح جاهين 25 ديسمبر 1930، 12 أبريل 1986
عبقري شاعر رسام ممثل موسيقي والاهم مصري
ولد في شارع جميل باشا في حي شبرا كان والده المستشار بهجن حلمي يعمل في السلك القضائي، حيث بدأ كوكيل نيابة و إنتهى كرئيس محكمة استئناف المنصورة ، وكان ايضا فنان درس الفنون الجميلة ولكنه لم يكملها استكمل دراسته في كلية الحقوق.
صلاح رحلة غير عادية ولا أدي كيف استطيع أن أبداء حديثا عنه، فهل أبداء بالرباعيات التي كان يحفظها معظم معاصرية عن ظهر قلب و التي تجاوز مبيعات احدى طباعات الهيئة المصرية العامة للكتاب لها اكثر من 125 الف نسخة في ايام قليلة. هذه الرباعيات التي لحنها الرائع سيد مكاوي وغناها الفنان علي الحجار
كان حركة الضباط الاحرار و ثورة 1952مصدر إلهام لجاهين حيث قام بتخليد جمال عبد الناصر فعليا بأعماله،.
لدرجة أن اطلق عليه بعض النقاد لقب “شاعر الثورة” لان كل ماكتبه كان يتحول الى أغنيات ثورية شعبية بصوت فنان الثورة عبد الحليم حافظ وألحان الموسيقار الفريد كمال الطويل، وللحق هو وحده من استطاع ان يترجم مشاعر وأحلام وأفراح ملايين المصريين الى كلمات حية مليئة بالدفء والفرحوالنشوة. فبينما كتب عبد الصبور وحجازى بعض القصائد الفصحى المعبرة عن بعض جوانب تلك الفترة، فإننا لانجد فى قصائدهم نفس حرارة ولهفة وصدق المشاعر التى نجدها فى كلمات جاهين كما وكيفا، – حتي أنها تأثر في الي اليوم _ فى أشعاره “الثورية” لم يكتب جاهين شعارات باردة جوفاء بل استطاع ان يغوص فى اعماق الانسان المصرى المتطلع الى عالم أفضل ليستخرج منه بكلمات عامية بسيطة وبليغة فى آن واحد

لكن هزيمة 5 يونيو 1967، خاصة بعد أن غنت أم كلثوم أغنيته راجعين بقوة السلاح مساء النكسة، أدت إلى أصابته بكتئاب حاد استمر معه حتي نهاية حياته. هذه النكسة كانت الملهم الفعلي لأهم أعماله الرباعيات و التي قدمت طروحات سياسية تحاول كشفت الخلل في مسيرة الضباط الاحرار، و التي يتعبرها الكثير أقوى ما أنتجه فنان معاصر.
يقول فى رباعياته الشهيرة:
خرج ابن آدم من العدم قلت : ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت : ياه
تراب بيحيا … وحي بيصير تراب
الأصل هو الموت و الا الحياه ؟
عجبي !!!
ضريح رخام فيه السعيد اندفن
وحفره فيها الشريد من غير كفن
مريت عليهم .. قلت يا للعجب
لاتنين ريحتهم لها نفس العفن
عجبي !!!
ياما صادفت صحاب و ما صاحبتهمش
و كاسات خمور و شراب و ما شربتهمش
أندم علي الفرص اللي انا سبتهم
و الا علي الفرص اللي ما سبتهمش
عجبي !!
عرف صلاح جاهين مسئوليته كمبدع وكشاعر. كثيرا ما يشير الى الصمت فى شعره كمرادف للموت، ويشير الى الكلمة كمرادف للحياة. يقول فى قصيدة بعنوان “اتكلموا”:
اتكلموا.. اتكلموا.. اتكلموا
محلا الكلام، ماألزمه، ماأعظمه
فى البدء كانت كلمة الرب الاله
خلقت حياه والخلق منها اتعلموا
فإتكلموا
الكلمة ايد الكلمة رجل الكلمة باب
الكلمة لمبة كهربية فى الضباب
الكلمة كوبرى صلب فوق بحر العباب
الجن ياأحباب مايقدر يهدمه
فاتكلموا
وفى رباعية جميلة يقول:
ياعندليب ماتخافش من غنوتك
قول شكوتك واحكى على بلوتك
الغنوه مش حتموتك…… إنما
كتم الغنا هو اللى ح يموتك

فى نفس الوقت الذى كان يكتب فيه جاهين هذه الأناشيد الوطنية الشعبية الواعدة، كان يكتب أيضا مزامير الزهور والحب والبهجة. فهو عاشق للحياة يحبها بحس شاعر ونزق طفل وتهور شاب مقبل على مباهج الأحلام المنتظرة فى فرح حقيقى. ان علاقة جاهين بالفرح علاقة اساسية حميمة.
عيد والعيال اتنططوا ع القبور
لعبوا استغماية ولعبوا بابور
وبالونات ونايلونات شفتشى
والحزن ح يروح فين جنب السرور!
عجبى
الدنيا صندوق دنيا.. دور بعد دور
الدكة هى .. وهى كل الديكور
يمشى اللى شاف ويسيب لغيره مكان
كان عربجى او كان امبراطور
عجبى
أنا شاب لكن عمرى ولا ألف عام
وحيد ولكن بين ضلوعى زحام
خايف ولكن خوفى مني أنا
أخرس ولكن قلبى مليان كلام
عجبى
علمى ان كان الخلق من أصل طين
وكلهم بينزلوا مغمضين
بعد الدقائق والشهور والسنين
تلاقى ناس أشرار وناس طيبين
عجبى
لا تستطيع ان نتحدث عن العبقرى المصرى المبدع صلاح بدون الأشارة إلي المبدعين الذين زاملوه واشتركوا معه فى صنع السيمفونية الباهرة للثقافة والفنون والفكر التحررى المثير فى عصر مصر الذهبى فى الخمسينات والستينات من القرن العشرين. فيحضر معه بالضرورة زميلاه الشاعران أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وكان الثلاثة يعملون فى غرفة واحدة تضم مكاتبهم الثلاثة فى روز اليوسف – طبعا ماحدش كان بيسرق شعر التاني – ويقول حجازى: “كان جاهين أكثرنا نشاطا ومرحا وحضورا، كان يرسم وينظم بالعربية وكان احيانا يغنى بعض الأغنيات الاسبانية من تراث الحرب الأهلية، بالاضافة الى أغاني روسية وفى تلك الغرفة سمعت من صلاح جاهين معظم أغنياته التى نظمها فى الخمسينات وأوائل الستينات :ويقول حجازى انه رغم بدانة جاهين فإنه هو الذى علمه رقصة الفالس! ويقول حجازى: “لم يكن صلاح جاهين صوتا بسيطا مفردا، وإنما كان مجمع أصوات، كان صوت مصر وصوت البشرية، صوت الجماعة فى الواقع وفى الحلم معا، صوت جماعة ناهضة حرة متقدمة سعيدة منتمية لحضارة العصر مشاركة فى صنعها. فصلاح جاهين ليس ثمرة تراث قومى مغلق وانما هو ثمرة التراث القومى والتراث الانسانى، وهو يدين للوركا وبول إيلوار بقدر ما يدين لشوقى وبيرم التونسى.”
أما الهادئ الرزين صلاح عبد الصبور فهو المقابل المخالف المضاد لصلاح جاهين فى كل شئ، روحا وجسدا، شكلا وموضوعا، فعبد الصبور هادئ حزين متشائم ، يكتب بالفصحى شعرا للنخبة المثقفة، بينما جاهين صاخب مرح متفائل يكتب بالعامية لعامة الشعب شعرا وغناء تري فيه نبض وأحلام رجل الشارع وتعبه اليومى، دون ان يتخلى عن عمق انسانى فلسفى بالغ التأثير. ولايشترك “الصلاحان” – جاهين وعبد الصبور- سوى في أن كليهما استطاع ان يؤثر تأثيرا حاسما على جيله فى مجال ابداعه. فيمكن القول أن عبد الصبور قد شكل الذوق الشعري والوجداني لجيل مصرى كامل بقصيدة واحدة هى “احلام الفارس القديم”.
وبينما قام عبد الصبور بتشكيل الذوق الشعرة لجيل كامل من الشعراء من بعده، قام جاهين بتشكيل وجدان جيل الثورة بأكمله، شعراء وفقراء وبسطاء وعمالا وفلاحين وموظفين وعاشقين وحالمين.
الفنان المتعدد المواهب قدم الكثير والكثير هل يتسطيع احدنا أن ينسي اوبريت الليلة الكبيرة!!!!؟ و كتب أغنيات وسيناريو فيلم “خلي بالك من زوزو” الذي حقق نجاحا تجاريا غير مسبوق في السينما المصرية إذ تجاوز عرضه حاجز 54 اسبوع متتالي. كما كتب أيضا أفلام أميرة حبي أنا، شفيقة ومتولي، والمتوحشة، كما مثل في شيهد الحب الالهي سنة 1962، ولا وقت للحب سنة 1963، والمماليك سنة 1965
لقد كانت النقطة السوداء قد احتلت قلبه الكبير وراحت تكبر فيه وتنهشه هى نفسها النقطة التى اصابت قلب مصر مع جرح 67 مع انهيار احلام الجيل الصاعد وتسليم السادات مفاتيح مصر للتيارات الدينية الظلامية التى أطفأت مصابيح مصر واحدا بعد الآخر وحاربت الفن والفكر والابداع والتحرر والمساواة والفرح والبهجة والانطلاق والغناء والرقص ، فكانت هى الخاتمة السوداء لاحدى أجمل فترات النهضة المصرية فى تاريخها الحديث.
سيظل جاهين صوتا مميزا مزهوا فى الوجدان المصرى الى الأبد. فالشاعر الاصيل لايعرف موتا ولاصمتا. وهو الذى قال:
دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت
وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت
وحاجات كتير بتموت فى ليل الشتا

لكن حاجات أكتر بترفض تموت.
ولعل أجمل مايعبر عن حالة جاهين تلك بعد أنهيار أحلام الثورة التى شارك فى صنعها هى رباعيته التى كتبها عندما أصابه انسداد فى شرايين القلب احتاج الى جراحة فى صيف 1981:
يامشرط الجراح أمانة عليك
وانت فى حشايا تبص من حواليك
فيه نقطة سودة فى قلبى بدأت تبان
شيلها كمان.. والفضل يرجع اليك.
أما وفاته الفعلية فقد كانت في 21 إبريل سنة 1986، ابتلع جرعة زائدة من الحبوب المنومة والتي كان يتناولها للتخلص من مرض الاكتئاب رحل وهو لم يتجاوز السادسة والخمسين من العمر تاركا وراءه ثروة فنية هائلة تمثلت في مئات القصائد ورسوم الكاريكاتير.
والأن نودعة مع
على اسم مصر
على اسم مصر .. صلاح جاهين
على اسم مصر
صلاح جاهين
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
باحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرميه جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء
واسيبها واطفش في درب وتبقى هي ف درب
وتلتفت تلقيني جنبها في الكرب
والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب
على اسم مصر
مصر النسيم في الليالي وبياعين الفل
ومرايه بهتانة ع القهوة .. أزورها .. واطل
القى النديم طل من مطرح منا طليت
والقاها برواز معلق عندنا في البيت
فيه القمر مصطفى كامل حبيب الكل
المصري باشا بشواربه اللي ما عرفوا الذل
ومصر فوق في الفراندة واسمها جولييت
ولما جيت بعد روميو بربع قرن بكيت
ومسحت دموعي في كمي ومن ساعتها وعيت
على اسم مصر مصر
السما الفزدقي وعصافير معدية
والقلة مملية ع الشباك .. مندية
والجد قاعد مربع يقرا في الجرنال
الكاتب المصري ذاته مندمج في مقال
ومصر قدامه اكتر كلمة مقرية
قريتها من قبل ما اكتب اسمي بإيديا
ورسمتها في الخيال على أبدع الأشكال
ونزلت أيام صبايا طفت كل مجال
زي المنادي وفؤادي يرتجف بجلال
على اسم مصر
شفت الجبرتي بحرافيش الحسين وبولاق
بان البلد ماشي زي النمس في الأسواق
بالفلاحين ع المداخل من بعيد وقريب
بالأرنؤوط بالشراكسة بكل صنف عجيب
مترصصين سور رهيب مزراق
في ريح مزراق
كأنهم لا بشـر ولا خلقـة الخـلاق
ومصر فلاحة تزرق بين رقيب ورقيب
من غير أبو الهول ما ينهض ناهضة
شايله حليب والصبح بدري الجبرتي ينام
وقلمه يسيب
على اسم مصر
والمس حجارة الطوابي وادق بكعابي
يرجع لي صوت الصدى يفكرني بعذابي
يا ميت ندامة على أمة بلا جماهير
ثورتها يعملها جيشها ومالها غيره نصير
والشعب يرقص كأنه عجوز متصابي
إنهض من القبر احكي القصة يا عرابي
يطل لي رافع الطهطاوي م التصاوير
شاحب ومجروح في قلبه وجرح قلبه خطير
وعيونه مغرورقين بيصبوا دمع غزير
على اسم مصر
مالك سلامتك بتبكي ليه يا طهطاوي
قال لك عرابي .. انكسر بسلاح أوروباوي
وسلاح أوروبا ماهواش المدافع بس
ده فكر ناقد مميز للثمين والغث قلناها ميت ألف مرة ألف مرة بصوت جهيرداوي
بس الحماقة لاليها طبيب ولا مداوي
ولا حد م الخلق بالخطر اللي داخل حس
الغفلانين اللي خلوا العقل صابه مس
قالوا الخطر هو فكر أوروبا لو يندس
على اسم مصر
أحسنت في القول صحيح يا ولد يا متنبي
جبت اللي جوه الفؤاد عن مصر متعبى
وحكمت بالعدل لكن بعضنا انظلموا
” يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ”
العلم كان عندنا من صغره متربي
لكنه هاجر وعدى البحر متخبي
لما الإيران هجموا ثم اليونان هجموا
ثم الرومان دمروا ثم التتار هدموا
ثم الجميع كل واحد جه مسح قدمه
على اسم مصر
والديك الصفيح
م البيضه بيصيح
ويقول بالصريح
الفكر فوق في الشمال
يا الله الحقوه يا ولاد
لحقوه ولاد من ولاد الأغنيا الأسياد
وهم راجعين رموه في الباخرة
في البحرونزلوا حكموا في ظل الانجليز والقصر
ومصر في الشمس بتغربل كلام منعاد
عن ابن بنت ابن حنت وطارق ابن زياد
والانجليز راضية بالخطباء وخطب الفخر
خطيب يهز الرؤوس وخطيب يهز الخصر
وخطيب يموت موتة الأبطال قتيل القهر
على اسم مصر
هل مصر موميا جميلة صورتها فوق النعش
يعشقها مجنون ينادي عليها ولا تطلعش
هل مصر نار صفصفت والنفخ فيها محال
والأرض نشعت على رمادها استحال أوصال
سألت أنا الرافعي كان عجٌز ولا بيسمعش
لكن عينيه كانوا يحكولي قصص ما اشبعش
يقولولي ماتخافش مصر بخير وعال
العال مصر الجبرتي
ومصر الرافعي حال غير الحال
انظر محمد فريد أعظم وأرقى مثا
لعلى اسم مصر
أنا الذي مشيت ادوٌر باشتياق وحنين
على مصر .. والمشي خدني من سنين لسنين
لحد ماسنيـنهـا وسنـيني بقم واحد
وعاصرتها يوم بيوم لم فاتني يوم واحد
وحضرت شاهد عيان مولد وموت ملايين
مازعلت من كلمة قد البركة في الجايين
مين هم دول يا جدع .. ما توحد الواحد
البركة فينا وفي السامعين بالواحد
أنا قلتها بنرفزة .. من غيرة الواحد
على اسم مصر
مصر الرمال العتيقة وصهدها الجبار
والنيل كخرطوم حريقه وحيد في وسط النار
في إيدين بشر نمل رايحه وجاية
ع الضفةفيهم مطافي وفيهم كدابين زفة
وفيهم اللي تعالى وقال أنا حكمدار
وكل باب م البيبان مقفول على اسرار
وكل سر بحريقة عايزة تتطفا
من أهلي تندهلي وتقوللي تعا اتدفا
أنا اللي عمري انكتب إلى يوم ما اتوفى
على اسم مصر
القاهرة في اكتئاب والأنس عنها غاب
من عتمة تدخل لعتمة كأنها ف سرداب
أو قرية مرمي عليا ضل هجانةالحظر
م المغربية بأمر مولاناومصر في الليل بتولد
والبوليس ع الباب
صبية ولاٌدة يابا ولحمها جلاب
طلع الصباح زغرطت في السكة فرحانه
على كتفها مولودتها لسه عريانه
وف لحظة كانت جميع الدنيا دريانة
على اسم مصر

Print Friendly
This entry was posted in ابناء حورس, وفـاء حمودة and tagged , . Bookmark the permalink.